شباب 6 ابريل
من حق جيلنا أن يجرب فإما أن ينجح و إما أن يقدم تجربة تستفيد منها الأجيال

أحمد ماهر يكتب : خواطر عن العنف السياسي

315

خواطر عن العنف السياسي

بقلم المهندس احمد ماهر- مؤسس حركة 6ابريل

منذ أيام قرأت مقال رائع يلخص مسرحية “البررة” التي كتبها الروائي والفيلسوف الوجودي “ألبير كامو”.
حاولت البحث عن النص الاصلي مترجم بالعربية، ولكن للاسف الشديد لم اوفق في ذلك، فاكتفيت بما نشر من ملخصات وماقرأته سريعا عن ذلك الكاتب الفرنس- جزائري المولد- وما كتبه من مسرحيات وروايات و آراء مثيرة للجدل.

تحكي مسرحية ألبير كامو “البررة” عن ثلاثة أشخاص أعضاء في منظمة ثورية، تطلق على نفسها اسم الاشتراكي الثوري، وهي منظمة تدعوا للثورة المسلحة والتغيير بالقوة مثل منظمات كثيرة انتشرت بين القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث كان هناك آلاف من هذه المنظمات في العالم باتجاهاتٍ متباينة، لكنها تشترك في فكرة العنف والاغتيال والقتل والتفجير وسيلة للتغيير السياسي. ولفت نظري أن الكاتب في صحيفة “الحياة”، إبراهيم العريس، أطلق في مقالة له عن المسرحية، لفظ “الإرهابية” على تلك المنظمة، فتذكّرت أن إطلاق نعت إرهاب وإرهابي على التغيير العنيف الذي يكون فيه اغتيال أو تفجير، أو عنف بشكل عام، هو مصطلح مستحدث، ففي ذلك الوقت كان العنف والاغتيالات والتفجيرات هي الطرق الأساسية للتغيير السياسي، فلم تكن نظريات التغيير السلمي، أو التغيير اللاعنيف قد ظهرت بعد، فأفكار ومبادئ مثل الديمقراطية أو التداول السلمي للسلطة أو حقوق الإنسان مفاهيم أخذت وقتا كبيرا في التطور، حتى تمت صياغتها في مبادئ عالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كان أنصار العنف والصراعات الصفرية هم الغالبية حتى اليوم في عالمنا العربي.

تحكي المسرحية عن تكليف هؤلاء الثلاثة بعملية اغتيال الدوق الأكبر، بعد أن فشلت الأحزاب السياسية “العقلانية” في إحداث أي تغيير. للثلاثة مبرّرات منطقية وتبدو أخلاقية، فالأول يرغب في قتل الدوق والانضمام إلى الثورة، لأنه يحب الحياة والحريّة، وهذا بداية الطريق من وجهة نظره.

والثاني يرغب في قتل الدوق لأن ذلك هو العدالة من وجهة نظره، أما الأخير فيرغب في قتل الدوق لأن عليه التضحية من أجل القضية أيا كانت هذه التضحية.

ويتوجه الثلاثة في اليوم المنتظر إلى الطريق لانتظار عربة الدوق، ويكلف أحدهم بإلقاء القنابل عند مرور العربة، بينما يكلف الآخران بحمايته، لكن المكلف بإلقاء القنبلة يتوقف عن تنفيذ المهمة، فقد لمح أطفالا في صحبة الدوق عند مرور العربة، فهو إن كان يبحث عن العدالة والحريّة، ويرى في قتل الدوق السبيل إلى ذلك، لا يجد مبرّرا لقتل الأطفال مهما حدث. وتحدث مشكلة بعد ذلك بينه وبين زملائه الذين يعنفونه بسبب عدم إلقائه القنبلة، ويدور حوار ساخن أشبه بالشجار بين الرفاق عن الضرورات والمحظورات والأهداف الكبرى والأخلاقيات.

لماذا لم تلق القنبلة؟

– كان هناك أطفال.

وما المشكلة؟ كل شيء يهون في سبيل الثورة وإقامة العدل. سيكونون مثل الشهداء في سبيل نجاح الثورة وإقامة العدل.

– لا، لا هدف سامياً يبيح قتل أطفال أبرياء.

لا يا رفيق، أنت جبان وخائن للثورة، وتستخدم الأطفال ذريعة، لا شيء يبرّر خيانتك الثورة.

“الثورة الناجحة مجيدة بالتأكيد أما الفاشلة فمحاولة انقلابية إرهابية قام بها مجرمون خونة”

وبعد يومين، يعيد بطل المسرحية الكرّة مرة أخرى، وينجح في قتل الدوق الكبير عندما مر بسيارته بدون أطفال، ولكن يتم القبض على منفذ العملية، الإرهابي في نظر السلطة، والبطل في نظر الرفاق، فتتصاعد الأحداث الدرامية، وتقرّر أرملة الدوق الكبير زيارته في السجن، بعدما علمت بنبله وإعراضه عن إلقاء القنبلة عندما كان هناك أطفال، وتعرض عليه أن تساعده في إنقاذ حياته، لكنه يرفض عرضها بشجاعة، فهو يؤمن بما فعله، ويرى أنه يجب أن يواجه مصيره ويدفع حياته ثمنا لمعتقداته، وإلا تحوّل من ثائر إلى قاتل.

وفي اليوم التالي، تنشر الشرطة خبر زيارة الدوقة له في السجن، إيحاء بأنه أعلن ندمه وتوبته عما فعل، كما يحدث في أيامنا عندما تنشر وسائل الإعلام القريبة من الأجهزة الأمنية أخبارًا لتشكيك الناس في بعض الثوار أو لزرع الفتن بينهم. وتنجح خطة الشرطة، ويتشكك بعض الرفاق نتيجة تلك الأخبار، وينتظر بعضهم إعدامه، فَلَو أُعدم فعلا فهو لم يتراجع عن موقفه، كما أن إعدامه يعني أمن الرفاق الشخصي، فهو لن يشي بهم، ويتم إعدامه، ليكون مثلا وأيقونة للنقاء الثوري. ويتحمس آخرون للقيام بالمثل، قتْل البورجوازيين الخونة من أجل الثورة وإقامة العدالة والمساواة، ولا يهابون الموت، فعندما يموتون دفاعا عن أفكارهم سيكونون في المكان والمكانة نفسيهما مع الرفيق الشجاع (إيفان) الذي ضرب المثل في الشجاعة والتضحية والإيمان بالمبدأ ودفع الثمن راضيا.

لم أستطع العثور علي نص المسرحية الاصلي للأسف ولكن ما قرأته من ملخصات وتحليلات عنها يثير فعلا قضايا كثيرة تثار في عصرنا هذا في منطقتنا، فللعنف السياسي جذور في مجتمعاتنا، فقد كان العنف والاغتيالات أمرا معتادا في الحركة الوطنية المصرية وفي فترة مقاومة الاحتلال البريطاني ولم يكن يطلق عليه ارهاب وقتها او تخريب.

وعندما تقرأ في التاريخ المصري الحديث، فستجد أن هناك جماعات اخري (غير الاخوان) استخدمت العنف ضد خصومها، أو ضد السلطة و”رجال القصر الخونة” .

وكان هناك حركة الاغتيالات لكبار الضباط الإنجليز في أثناء ثورة 1919 في مصر، قم طالت بعض المتعاونين مع سلطة الاحتلال بعد ذاك، وإن كان معظمه موجّهًا ضد الاحتلال الأجنبي، وفي سياق النضال الوطني. ولكن في وقتها لم يكن يتم تعريف من يغتال ضابطا انجليزي أو مسؤولا مصريا مواليا للإنجليز بأنه “مناضل ” كما يتم ذكره في كتب التاريخ الآن، بل كانت وسائل الإعلام المصرية والبريطانية وقتها تصفهم بأنهم مجرمون مخربون قتلة ، وأنشأ الانجليز ما يسمى “القسم المخصوص” أو “القلم السياسي” في البوليس المصري، وهو القسم الذي يسمى الآن “جهاز الأمن الوطني”، وكان فيه ضباط مصريون، يدربهم على أعلى مستوى ضباط إنجليز بغرض تصفية الحركة الوطنية وتعقُّب المناضلين، “المخربون الذين يزعزعون الاستقرار ” كما كان يتم وصفهم في ذلك الوقت.
وقبل تولي سعد زغلول باشا رئاسة وزراء مصر بعد ثورة ١٩ بسنوات، كان عندما تأتي سيرة أحمد عرابي لابد أن تقترن دائما بالفاظ مثل الخائن الاحمق الفلاح الجاهل الذي جلب الاحتلال بحماقته لأنه خرج علي الحاكم، ولم يتم تنقيته سيرته واعتباره بطلا إلا بعد سنوات طويلة من وفاته.

وكانت هناك اغتيالات ايضا في الثلاثينيات والأربعينيات، تقوم بها تنظيمات شيوعية أو حزب مصر الفتاة، ضد مسؤولين مصريين ووزراء موالين ومساندين للاحتلال البريطاني. وقد شارك الرئيس المصري، أنور السادات، بشكل ما في عملية اغتيال وزير مصري موالٍ للإنجليز، هذا بالاضافة لعنف جماعة الاخوان المعروف تاريخيا ضد خصومها في فترة الاربعينيات وبداية الخمسينيات.

و يمكن ملاحظة أن موجة التحرّر الوطني في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في الوطن العربي كانت ممتلئة بالانقلابات العسكرية والاغتيالات والعنف والدم، وفي تاريخنا كله نادرا ما تجد إماما أو أميرا أو خليفة لم يتم اغتياله أو خلعه بالعنف أو الانقلاب عليه في تاريخنا العربي والإسلامي. وكثيرا ما ستجد من استعان بالمستعمر الأجنبي ضد خصومه من أبناء جلدته أو ديانته من اجل الوصول للسلطة.

حتي الثورة العربية الأولى التي أنتجت الدول العربية الحالية “بمكوناتها المتناحرة غير المتجانسة” بعد الحرب العالمية الأولي ، رغم انها كانت متزامنة مع الأفكار الأولية للقومية العربية والعروبة ، إلا ان تلك الدول والدويلات والممالك والحدود الحالية كانت في الأساس نتيجة اتفاقات “مشبوهة ” بين أمراء عرب والاستعمارين البريطاني والفرنسي.

إنما الأغرب حاليا من يزعمون مناصرتهم العروبة والحلم العربي، أو المقاومة والممانعة، وهم في نفس الوقت مناصرين- عن علم أو جهل- للمشروع الفارسي والاطماع الفارسية في المنطقة العربية، تخت شعارات براقة مثل المقاومة والممانعة ومناصرة القضية الفلسطينية وهم لم يطلقوا رصاصة واحدة ضد اسرائيل.

مجرد أفكار أثارتها المقالات عن مسرحية ألبير كامو “البررة”، وتساؤلات بشأن متى يتم اعتبار الشخص مناضلا أو وطنيا، ومتى يتم اعتباره إرهابيا أو خائن وعميل؟

هل المعيار هو ختم الحكومة ورضاء السلطة؟
ومتى يعتبر العنف الثوري ضروريا ومتى يعتبر حماقة.تسبب خسارة اكبر وصفر مكاسب؟

ولماذا من حق السلطة وأنصارها استخدام العنف والقتل كما كان يفعل ما يطلق عليهم المواطنون الشرفاء في الشوارع، بينما ليس من حق المعارض أن يدافع عن نفسه ولو بالكلمة؟

إنها دائما رواية المنتصر، فهو الذي لديه القوة والسلطة والإعلام والمال وهو من يكتب التاريخ، فالثورة الناجحة هي ثورة مجيدة بالتأكيد، أما الفاشلة فمحاولة انقلابية إرهابية، قام بها مجرمون خونة.

ومن في السلطة يعتبر دائما كل المحاولات الإصلاحية تهديدا إرهابيا، مهما كانت سلمية نبيلة. وقتْل المواطنين الأبرياء وحبْسهم وظلمهم هو ثمن هيّن لدى من في السلطة، في سبيل حماية الدولة من وجهة نظرهم، أو في سبيل حماية النظام،لا فارق كبير هنا.

وهناك أيضا آلاف المجموعات والحركات والتنظيمات على مدار التاريخ، ارتكبت كوارث أو جرائم غير أخلاقية، او حماقات كبري أهدرت الدماء والثروات والطاقات، لكنها تغاضت عن ذلك، لأن الضرورات تبيح المحظورات، أو لأن سقوط الأبرياء لا يعني شيئا أمام الهدف الأسمى الذي قد يكون نصرة الدين، أو نصرة العروبة أو التحرّر الوطني، أو نشر العدالة أو إقامة الاشتراكية أو الديمقراطية أو.. أو.. .

كل فريق يري ان معه الحق والشرعية ، خصوصا أمام أهله وعشيرته ، فعلي سبيل المثال تثمن السلطة تعب ومجهود من يطلق عليهم (المواطنين الشرفاء) ، وتقدر مجهوداتهم العظيمة في استخدام العنف غير المشروع ضد المعارضة ، والقيام بضربهم وسحلهم وربما قتلهم. فالمواطنون الشرفاء الذين يستخدمون العنف غير المشروع هم الوطنيون مهما سرقوا ونهبوا و استخدموا من عنف، أما من يعارض المسار فهو خائن عميل كافر.

السلطة تعتبر كل من يعارض فهو ارهابي يحاول تعطيل المسيرة والمعجزات غير المسبوقة، كثير من انصار المشروع الاسلامي او الاسلام السياسي ليس لديهم مشكلة مع العنف ضد الاخر، حتي لو كان هذا الاخر من نفس الدين او حتي المشروع ولكن لديه خلاف مع بعض التفاصيل، انه منطق اهلي وعشيرتي.

وكثير من المجموعات والاحزاب علي مر العصور رفعت شعارات المدنية/التقدمية /اليسارية/ القومية/ الثورة ، ولكن لم يجدوا مشكلة في قتل الاخر المختلف.

اكثر مثال فج حول تداخل المعايير هو ما نراه في اسرائيل، فاصحاب الارض االأصليون يتم اعتبارهم ارهابيون همج ضد الحق في الحياة، أما قوي الاحتلال الغاشم الظالم فيتم تسويقهم حول العالم علي انهم ملائكة يحاولون حماية انفسهم من الارهاب.

التاريخ يكتبه الاقوى ويكتبه المنتصر، هذا هو المعيار، وهنا تضيع دائما الرواية الثانية،
تضحيات رجال السلطة هي ما يذكرها التاريخ، أما قتلى الثوار (الإرهابيين) وضحاياهم ففي مزبلة التاريخ، إلى أن يتغيّر الوضع، ويتبدل الحال ويصل الثوار للسلطة ، وتصبح تضحيات الثوار ودماء الشهداء هي التي قادت إلى الحرية، أما سيرة من كانوا حكاما فهي التي أصبحت في مزبلة التاريخ

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...