أمانه السياسات يحتكرها رجال الأعمال .. والمثقفون والأطباء علي الهامش

أمانه السياسات يحتكرها رجال الأعمال .. والمثقفون والأطباء علي الهامش
509

فى عام ٢٠٠٢ ظهرت أمانة السياسات على سطح الحياة السياسية المصرية، لا يعرف أسماء أعضائها أو معلومات عنهم إلا الأعضاء أنفسهم، ولا يخرج منها إلا أصداء خطط ومشروعات وقرارات تعيين.

 

على الموقع الإلكترونى الرسمى للحزب الوطنى يحتاج المتصفح لـ«كلمة سر» ليرى أسماء أعضائها، وإن كان الموقع تبرع وأعلن أن الأمانة تضم لجاناً متخصصة ومجلساً أعلى للسياسات، هو المسؤول عن «دراسة الموضوعات والخطط والسياسات وإصدار التوصيات بشأنها وللمجلس، فى سبيل ذلك، أن يحيل تلك الموضوعات إلى لجان سياسات متخصصة لدراسة جوانبها الفنية».. مما يضعنا أمام كيان كبير بصلاحيات أكبر ومعلومات أقل، يرسم سياسات الحزب الحاكم التى تنعكس على الشعب.

رصدت «المصرى اليوم» قائمة بأسماء أعضاء المجلس الأعلى للسياسات، ودرستها إحصائياً.. يضم المجلس الأعلى للسياسات ١٣٠ عضوا، أصبحوا ١٢٩ لوفاة عضو، وينتظر المجلس قرار «النقض» فى الحكم بإعدام أحد الأعضاء «رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى»، وبعدها قد يصبح العدد ١٢٨، منهم ٤٢ رجل مال واقتصاد وبنوك، بنسبة تتعدى الـ٣٠%، وهم التجمع الأكبر داخل الحزب،

حيث تتسع الفجوة ويزداد عمقها عند الوصول للمجموعة التالية وهى «البيروقراط» التى تضم ١٧ عضوا، بنسبة ١٣%، ثم مجموعات الهندسة والقانون بنسبة تقارب الـ٩% لكل منهما، تليها العلوم والاجتماع والطب بـ٧ أعضاء لكل منها، ثم الإدارة والموارد البشرية بـعضوين، ويتساوى عدد الأعضاء المهتمين بقضايا المرأة مع ممثلى الأديان عند العدد «٤ أعضاء»، تليها قضايا الإعلام بثلاثة أعضاء وعضوين للعمال، وعضو وحيد للفن والأدب.

كتلة رجال الاقتصاد فى المجلس تشكّل ثلثه، ويبلغ عدد رجال الأعمال أكثر من نصفهم. أرقام يرى الدكتور ضياء رشوان، الباحث فى مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أنها لا تحتاج لتفسيرات: «المعنى واضح، ولا نحتاج إلى الكثير من قوة الملاحظة لنتنبأ بنوع السياسات التى سيخرج بها مجلس أغلب أعضائه اقتصاديون ورجال أعمال بالإضافة إلى مجموعات البيروقراط والقانونيون الذين يخدمون أهدافهم».

وتضم كتلة الاقتصاديين فى المجلس ٢٣ رجل أعمال وعددا كبيرا من أساتذة الاقتصاد والعاملين فى البنوك والبورصة، وهى الاختيارات التى تعكس بصورة كبيرة أفكار أمين اللجنة والمسؤول الأول عن اختيار أعضائها، كما تنص اللائحة: «تتبع أمانة السياسات مجلساً أعلى للسياسات يرأسه أمينها، ويتكون من عدد من أعضاء الحزب لا يتجاوز المائتين من مختلف المجالات والتخصصات، ويصدر قرار من الأمانة العامة بتعيين أعضاء المجلس بناء على عرض أمين السياسات».

يعتبر الدكتور عبدالمنعم سعيد، عضو المجلس، رئيس مجلس إدارة الأهرام، أن غلبة رجال المال والبنوك والاقتصاد على أعضاء المجلس «أمر منطقى جدا»، مشيرا إلى أن أولويات المجلس هى القضايا الاقتصادية، وتأتى كل القضايا الأخرى من طب وهندسة وتعليم فى المرتبة الثانية، بينما يصف الدكتور نادر الفرجانى، أستاذ الإحصاء التطبيقى بكلية السياسة والاقتصاد، عدد رجال الاقتصاد داخل اللجنة بـأنه «مبالغ فيه»، ويقول إن «ارتباط مجموعة من رجال الأعمال بالأكاديميين ورجال البنوك فى المجلس الأعلى للسياسات ارتباط مصلحة، وتبنيهم لأفكار حرية السوق وطريقتهم فى حل المشكلات لا يدفع ثمنه إلا المواطن الفقير».

ومن بين رجال الأعمال الـ٢٣ أعضاء المجلس هناك ١٨ تتعدى ثروة الواحد منهم المليارى جنيه، وعضوان تتراوح ثرواتهما بين المليار ونصف المليار جنيه، بالإضافة إلى ٣ أعضاء تقل ثروات الواحد فيهم عن نصف الـمليار جنيه، حسب الأرقام المتداولة عن شركاتهم فى البورصة المصرية، وهى الأرقام التى دفعت ضياء رشوان للتعليق: «تكفى قراءة الأرقام لمعرفة جوهر أفكار أمانة السياسات، وانحيازها الاقتصادى والاجتماعى الواضح لطبقة الأغنياء، لأنها قامت فى الأساس على أكتاف رجال الأعمال».

وعلى الرغم من أن ثروات رجال أمانة السياسات تتوزع فى صناعات مختلفة مثل الطب والدواء، والمقاولات والصناعات الثقيلة، فإن الجزء الأكبر منها ينحصر فى القطاع التجارى وقطاع البنوك وشركات الأوراق المالية وليس الصناعة، وهو ما يراه عبدالغفار شكر، القيادى فى حزب التجمع اليسارى، «متسقاً»، مع توجه الحكومة إلى الليبرالية الجديدة، ويقول: «معظم ثروات رجال الأعمال بمجلس السياسات ثروات تكونت وفقا لمقولة (خد واجرى).. هم لا يؤسسون مصانع ولا صناعات، فهو اقتصاد وهمى هدفه الأساسى المكسب وجمع أكبر قدر من الأموال».

يروى الدكتور أسامة الغزالى حرب، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، عضو المجلس الأعلى للسياسات سابقاً، ذكرياته مع المجلس قائلا: «عندما حضرت لأول مرة بترشيح من أمين اللجنة اكتشفت أن المجلس إطار تنظيمى شكلى، يهدف إلى إيجاد دور لأمين اللجنة فقط.. كنا نجتمع كل شهرين ونحضر اجتماعات فى أغلبها خطب طويلة لأعضاء فى المجلس، لا ترسم سياسات، وفى بعض الأحيان كان المجلس يتمخض عن ندوات يتحدث فيها عدد من الأعضاء حول قضية معينة، ولكنهم لا يخرجون فى النهاية بأى أوراق عمل أو خطط أو سياسات عامة».

وبعيدا عن رجال الأعمال يضم المجلس بين جنباته عدداً من الأكاديميين المتخصصين فى الطب والعلوم والاجتماع، بالإضافة إلى ١٠ أعضاء متخصصين فى مجال القانون بينهم أساتذة جامعة ومستشارون سابقون معروفون بقربهم من النظام مثل المستشار محمد الدكرورى والمستشار إدوارد غالى، والمستشار يسرى زين العابدين، و١٣ عضوا فى قطاع الهندسة بينهم أكاديميون ووزراء سابقون، منهم ٣ أعضاء من مركز بحوث البناء والإسكان هم الدكتورة أميمة صلاح الدين، والدكتور مصطفى مدبولى، والدكتور عمرو سلامة، وزير التعليم العالى السابق.

وفى قطاع العمال والفلاحين يكتفى المجلس بعضوية حسين مجاور، رئيس اتحاد عمال مصر الرسمى، ومحمد أبوزيد الألفى، زعيم الأغلبية السابق فى مجلس الشعب، ورغم دلالة الرقم فى وقت تزايدت فيه الإضرابات العمالية بشكل ملحوظ، فإن قيادة يسارية، مثل كمال خليل، ترى أن عدم تمثيل العمال والفلاحين بالشكل الملائم «منطقى وطبيعى» طبقا لسياسات الحزب الوطنى،

ويضيف: « وجود مجاور كممثل للعمال، يدل على توجهات المجلس وأفكاره، فممثل العمال، سبق أن طالب النائب صلاح الصائغ بإقالته لأنه يشغل ٨ مواقع أحدها عضوية مجلس إدارة شركة أسمنت السويس وهو ما يضع اسمه داخل كفة رجال الأعمال وليس العمال، ويرى خليل أن المجلس الأعلى للسياسات «غير متوازن» وأن التمثيل العادل للعمال والفلاحين يضمن لهم «نصف عضوية أى مجلس هدفه الحقيقى خدمة مصر».

ومن رجال الدين يضم المجلس أربعة أعضاء، جميعهم من أساتذة الأزهر، هم الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر السابق، وإسماعيل الدفتار، أستاذ الشريعة، وزينب عبدالمجيد، أستاذة الشريعة والقانون، وأخيرا محمد إبراهيم محجوب، وكيل لجنة الأوقاف السابق،

ورغم ضآلة الرقم فإن السياسى منير فخرى عبدالنور، سكرتير عام حزب الوفد، يرفض وجودهم من الأساس قائلا «لا دور لرجال الدين على الإطلاق فى مثل هذا المجلس، سواء المسلمون أو المسيحيون أو اليهود، فاللجنة ترسم سياسات بلد يرفع راية المواطنة، وخلط الدين بالسياسة خطأ، سواء من (الحزب الوطنى أو أى حزب أو حركة سياسية)»

ويختلف الدكتور رفيق حبيب، المفكر القبطى مع رأى عبدالنور، ويقول: «وجود رجال دين إسلامى فقط داخل مجلس السياسات يعبر عن تصور داخل الحزب بأن قضايا المسيحيين خاصة وليست عامة مثل قضايا المسلمين، ويؤكد أن الحزب الحاكم لا يفكر فى قضايا المسيحيين ولا يعطيها الأهمية التى تستحقها رغم المنعطف الخطير الذى تمر به فى السنوات الأخيرة».

ويقتصر تمثيل قطاع الثقافة والفنون داخل اللجنة على الدكتور فوزى فهمى، رئيس أكاديمية الفنون الأسبق، وهو ما يراه الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى معبرا عن رؤية القائمين على المجلس للثقافة باعتبارها «اإكسسوارا» ويقول: «يظنون أن الاستماع إلى الموسيقى مسألة كمالية، ولا يعلمون أن من لا يقرأ قصيدة ولا يستطيع تذوقها.. لا يعرف معنى الانتماء». ويضيف: «أريد أن أسأل لجنة السياسات والأحزاب المعارضة، ما هو موقع الثقافة فى برامجكم؟، خلو الأحزاب من الثقافة يعنى قصور النظر وحاجتنا لإعادة تقييم أنفسنا، لأن الثقافة يجب أن تكون مرجعاً للسلطة لا خادماً لها».

وفى المقابل يضم المجلس عدداً كبيراً من الخبراء المشهود لهم بالكفاءة مثل عمرو قيس الرأى، أستاذ الاقتصاد فى الجامعة الأمريكية، رئيس واحدة من كبريات شركات الإحصائيات واستطلاعات الرأى، والدكتور صبرى الشبراوى أستاذ التنمية البشرية، وأحمد ماهر، وزير الخارجية السابق، وإيمان القفاص، مدير مركز تكافؤ الفرص وإعداد وتنمية المجتمع، وفينيس جودة، وزيرة البحث العلمى السابق، وهانى الناظر، رئيس المركز القومى للبحوث، ورغم تواجد الكفاءات فى معظم المجالات يقول أسامة الغزالى: «المجلس عبارة عن تجمع مصالح،

ولا يلعب الخبراء المتواجدون فيه دور الـ(think tank)، المعروف فى أوروبا وأمريكا بأنهم النخبة التى تضع السياسات، لأنهم وبرغم كفاءتهم فى اختصاصاتهم، لم يدرسوا العلوم السياسية، ودورهم الأساسى فى اللجنة إعطاء دور سياسى شكلى لأمينها العام، وهو ما يرفضه الدكتور مصطفى السعيد، وزير الاقتصاد السابق، عضو اللجنة قائلا: «نتبادل الآراء داخل اللجنة حول كل القضايا، وغلبة الاقتصاديين جاءت انعكاسا لحاجة الحكومة لهم فى مرحلة معينة لإجراء عملية التحول إلى اقتصاديات السوق الحرة، لأنها كانت على رأس قائمة الأولويات، وهى الأسباب نفسها التى أدت إلى الاستعانة برجال الأعمال لتولى الحقائب الوزارية»، ويرى السعيد أن تواجد رجال الأعمال داخل اللجنة أعطاها ثقلا كبيرا أفادها فى عملية التحول، ويضيف «رجال الأعمال، بشكل عام، لهم اهتمامات مختلفة، وهو ما يخدم فى النهاية المجلس الأعلى للسياسات، ويساعده على دراسة مختلف القضايا فى كافة المجالات.

وفى سنوات شهدت انفتاحاً إعلامياً ملحوظاً على مستوى الفضائيات والصحف والإنترنت، يقتصر التواجد الإعلامى داخل المجلس الأعلى للسياسات على أنس الفقى، وزير الإعلام، والدكتور سامى عبدالعزيز أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، وعصام رفعت، رئيس تحرير مجلة «الأهرام الاقتصادى» السابق، ورغم ضآلة العدد يصف ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامى أداء الحزب الوطنى فى هذا المجال بقوله: «ليس بأسوأ منه فى مجالى الصحة والتعليم»، ويرى عبدالعزيز أن قلة العدد «ليست عائقا، لأن المجلس قادر على إحالة القضايا إلى لجان متخصصة»، ويقول: «بشكل عام، لم يتعامل النظام مع القضايا المهمة بشكل سليم، ولم يؤد المجلس دوره فى رسم ووضع السياسات التى تجعل الإعلام المصرى يعود إلى مكانته الطبيعية».

وعلى جانب آخر، وفى قطاع الصحة يضم المجلس ٧ أعضاء بينهم محمود ناصر الطيب، مستشار وزير الصحة، وصالح الشيمى، وكيل وزارة الصحة، بالإضافة إلى الدكتور حمدى السيد، نقيب الأطباء، ومديحة خطاب، عميدة كلية القصر العينى، وعدداً من الأكاديميين، وهى المجموعة التى يرى الدكتور محمد أبوالغار، الأستاذ بجامعة القاهرة أنها «غير فاعلة»، وأن الراسم الحقيقى لسياسات مصر الصحية هو «وزير الصحة»، ويقول أبوالغار: «رغم أن المجموعة تضم أسماء مميزة للغاية، فإن طريقة خروج السياسات الصحية للنور فى مصر، تؤكد عدم فاعليتها وأن قرارتها وتوصياتها لا قيمة لها، فى لجنة همها الاساسى الشؤون الاقتصادية والسياسية».

وحول تقييم المجلس بشكل عام، يرى مصطفى السعيد أن المجلس يؤدى مهامه «بشكل جيد» وأن غلبة الاقتصاديين وقلة عدد السياسيين «لا تعبر عن مأزق، لأن السياسى هو أى عضو مهتم بالقضايا العامة»، وعلى خلاف «السعيد» يرى ضياء رشوان أن إعداد السياسيين فى المجلس «ضئيل جدا»،

ويضيف: «سيطرة مجموعة من الاقتصاديين على اللجنة التى ترسم سياسات مصر خطأ كبير، سيكون له العديد من الآثار السيئة مستقبلا وهو ما يتفق معه الدكتور أسامة الغزالى قائلاً: «سياسات مجلس بهذا التشكيل سوف تخدم قطاعات معينة من المجتمع المصرى، وتنسى فئات أخرى مثل الـ٢٠ مليون مواطن الذين يعيشون فى المقابر»، ويغلق عبدالمنعم سعيد، المعين حديثا لرئاسة مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، باب الحديث قائلا: وجود أعداد كبيرة من رجال الأعمال والاقتصاديين يعبر عن وجهة نظر الحزب فى أزمة مصر، وأن أهم الأزمات التى تواجهها تتركز فى القطاع الاقتصادى، وفى النهاية لكل حزب رؤيته الخاصة بأولويات البلد، التى يستطيع تطبيقها فى حال وصوله للحكم».

نقلا عن : المصري اليوم
كتبها : أحمد رجب

 

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا