شباب 6 ابريل
من حق جيلنا أن يجرب فإما أن ينجح و إما أن يقدم تجربة تستفيد منها الأجيال

الثورة المصرية وسقوط النظام

1٬085

[b]بقلم اسلام أحمد[/b]

انه كابوس بشع ذلك الذى تعيشه مصر الان ما كان ليخطر ببال اكثر المتشائمين , اذ لم يكن يتصور احد ان تتحول مصر أم الدنيا وأرض الحضارة الى فوضى شاملة! , فى الحقيقة لقد سبق ان حذرت كما حذر كثير من المحللين من خيار الثورة الشاملة لما قد ينتج عنه من نتائج كارثية حيث قلت فى مقال سابق بعنوان (نظام ايل للسقوط) : ” : ان ثمة حالة من التردى العام فى كافة المرافق والخدمات بدءا من التعليم ومرورا بالصحة وانتهاءا بالمياه والكهرباء فضلا عن ارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة , ناهيك عن الفساد المستشرى فى ربوع البلاد , الامر الذى خلق حالة سخط عام لدى الناس _لم يكن الاحتقان الطائفى الاخير سوى احد افرازاتها _ يتوقع بعض المحللين ان تتحول الى ثورة شاملة ما لم يتم تدارك الامر باصلاح حقيقى شامل ينتشل البلاد من كبوتها ” , كما قلت : ” ظني ان النظام الحاكم يلفظ انفاسه الاخيرة ومن ثم صار ايلا للسقوط , ولأن النظام لم يتخذ حتى الان خطوات حقيقية نحو الاصلاح السياسى والاجتماعى فاتوقع ان تزداد حالة السخط العام لدى الناس غير عابئة بالقبضة الامنية مما يفرض علينا العمل جديا من اجل التغيير السلمي المنشود كما يفرض على النظام التخلى عن تعنته والاستجابة لمتطلبات التغيير الاتى لا محالة والا فسوف تنحدر البلد الى هاوية لا يعلم عواقبها الا الله!”

غير أننى لم اكن اتوقع مطلقا ان تقع الثورة المصرية بتلك السرعة وما ترتب عليها من نتائج كارثية واتصور انه ما كان لأحد ان يتوقع ذلك , اذ عندما دعونا لتظاهرات 25 يناير كان كل املنا الضغط الشعبي على النظام الحاكم لاجباره على الاستجابة لبعض مطالب التغيير , وحتى حين دعونا لتظاهرة جمعة الغضب لم نكن لنتصور ان يلتف حولها الشعب المصري بهذا الشكل , وهو فى المجمل وقياسا على ما وضعناه من اهداف فان ما حدث يمثل نجاحا ساحقا بكل المقاييس اذ تمكننا بفضل الله من هزيمة الأمن واهتزاز النظام الحاكم فضلا عن افشال مشروع توريث الحكم , ولا جدال فى أن الثورة التونسية كانت ملهمة للشعب المصري فى ثورته ضد النظام , غير اننا ما كنا لننجح فى ذلك لولا الغباء السياسي من جانب القائمين على النظام الحاكم , اذ كما قلت فى المقال السابق ان رد فعل النظام الحاكم تجاه تظاهرات 25 يناير قد جاء متأخرا للغاية (اول رد فعل كان خروج صفوت الشريف فى مؤتمر صحفي فى السابع والعشرين من يناير اثر اجتماع لأمانة الحزب الوطنى) , وهو ما استفز الجماهير وأثارها بشدة , بيد ان الطامة الكبرى وهى فى اعتقادى ما تسببت فيما نحن فيه الان , تمثلت فى امرين الاول انسحاب الامن من المشهد تاركا البلد تولع يوم جمعة الغضب بعد ان عجز عن قمع وتفريق المظاهرات الحاشدة التى خرجت بالاف فى جميع محافظات مصر , ما ادى الى حدوث انفلات امنى كبير , ولسد هذا الفراغ الامنى فقد أصدر الرئيس مبارك امرا عسكريا للجيش بالتدخل لحفظ الامن فى البلاد وتم اعلان حظر التجول , الأمر الثاني وهو ما زاد الطين بلة تأخر خطاب الرئيس مبارك يوم جمعة الغضب حيث جاء متأخرا للغاية وبالتحديد فى الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل! , ألقى الرئيس مبارك خطابا جاء مخيبا للامال اذ لم يستجب كما توقعت لمطالب التغيير وكل ما فعله انه اقال حكومة نظيف واعدا بمزيد من الديمقراطية والحرية وتوفير فرص العمل للشعب المصرى! , كما لم يشر بكلمة للانفلات الامنى الواقع , ولا لطبيعة المرحلة المقبلة تاركا الامور غامضة ومفتوحة على جميع الاحتمالات! , وانما اكتفى فقط بالتحذير من الخروج على القانون! وقد فهمت من خطاب الرئيس مبارك انه عازم على البقاء فى السلطة وليس فى نيته ان يرحل رغم كل ما حدث!

فى الواقع لقد تطورت الاحداث وتلاحقت بشكل سريع جدا اذ فى التاسع والعشرين من يناير قام الرئيس مبارك بتعيين السيد عمر سليمان نائبا للرئيس , فى خطوة مفاجئة للجميع , اذ انه كان قد اعلن من قبل ردا على سؤال حول عدم تولية نائب له أنه لم يعثر فى مصر العظيمة على شخص واحد يصلح لتولى المنصب! , كما قام الرئيس مبارك بتعيين الفريق احمد شفيق وزير الطيران رئيسا للوزراء مع البقاء على كل من حبيب العادلي وزير الداخلية والمشير طنطاوي وزير الدفاع , ما يعني اننا امام حكومة عسكرية بامتياز موالية تماما لنظام مبارك , وفى نفس اليوم وقعت احداث شغب وسلب ونهب فى مختلف محافظات مصر وعلى رأسها القاهرة والاسكندرية والسويس اثر انسحاب الأمن من الساحة وسط حالة غير مسبوقة من الانفلات الامني , لم يقف الامر عند هذا الحد وانما قامت عناصر مجهولة بالهجوم على بعض السجون فى القاهرة وتهريب المساجين فضلا عن احراق اقسام ومراكز الشرطة فى المحافظات ومن ثم فقد تحولت البلد الى حالة من الفوضى الشاملة! ولا اخفي عليكم اننى عشت ليلة من أسوأ ليالي حياتى , وهى السبت 29 يناير , حيث كنت مصابا ببرد شديد ولم استطع النزول للشارع للانضمام للجان الشعبية ومن ثم فقد شعرت بالعجز والاحباط , كما ان اللجان الشعبية لم تكن قد تشكلت بشكل منظم بعد ولم ينضم اليها سوى عدد قليل , وهو ما اثار قلقي بشدة فضلا عن احساسي بمسئولية ما تجاه ما حدث اذ كنت ادعو فى كل كتاباتي الى تغيير النظام , ما جعلنى اشعر بالندم على ما كتبت , تضافرت كل تلك العوامل لأصاب فى النهاية بالاكتئاب

ولكن رغم كل ما وقع من نتائج كارثية فان الامر لا يخلو من ايجابيات مشرحة للنفس اذ حدث حالة من التوحد بين جميع ابناء الشعب المصري , لم نشهدها منذ اكتوبر 1973 , ممن انضموا للجان الشعبية لمساعدة القوات المسلحة فى التصدي للمجرمين والخارجين على القانون , كما رأيت لأول مرة شبابا يقومون بأيديهم بتنظيف الشوارع مما لحق بها من حطام ومخلفات , ولأول مرة ايضا ارى طابورا واققا بشكل منظم على فرن الخبز الذى جوار بيتي , فضلا عن الشباب الذين قاموا متطوعين بتنظيم المرور في الشوارع , وفى هذا السياق فقد قام شيوخ وائمة المساجد بدور عظيم حيث اخذوا يبثون الحماسة فى نفوس الشباب وينظمون صفوفهم , الامر الذى اظهر معدن الشعب المصرى العظيم وأصالته التى تبدو فى الازمات , ولا شك انه ساهم بشكل كبير فى ازالة الفضيحة وتحسين الصورة التى تسبب فيها الخارجون على القانون ممن ركبوا الموجة وقاموا بالسلب والنهب , كما ان ما حدث لم يخل من مفارقات مدهشة اذ لم اكن اتصور يوما اننى سأضع يدي فى يد البلطجية من اجل التصدى للمجرمين واللصوص

والحاصل بعد مرور ايام على الثورة المصرية ان الناس لم يستجيبوا لقرار حظر التجوال وأن جميع المطالب قد توحدت خلف مطلب واحد هو رحيل النظام الحاكم بكل رموزه وقد بدا هذا واضحا فى رفض المتظاهرين لعمر سليمان, وفى اعتقادي انه لن تهدأ ثورة الشعب المصرى الا برحيل مبارك نفسه , فى الواقع ان المشهد يبدو غامضا للغاية اذ ثمة اسئلة كثيرة تنبعث من وحي المشهد وتحتاج إلى اجوبة! , لماذا قام الرئيس مبارك بتعيين السيد عمر سليمان نائبا له مخالفا ما قاله فى السابق؟! , وما صحة ما تردد عن هروب بعض رموز النظام وفى مقدمتهم جمال وعلاء مبارك واحمد عز وحبيب العادلي وزير الداخلية؟! ,ولماذا انسحب الامن من المشهد؟! , ومن يقف وراء تهريب المساجين؟! , وكيف ينهار نظام امنى قوي بهذا الشكل؟! , وما صحة ما قيل عن اندساس عناصر تابعة للأمن وسط من قاموا بالسلب والنهب؟! ومن يتحمل مسئولية كل ما حدث؟!

وفي تفسيرى لما حدث ولأن الامن قد انسحب بشكل منظم وفى نفس التوقيت تقريبا بمختلف المحافظات فظني أنه صدرت اوامر عليا لقوات الأمن بالانسحاب الكامل من ساحة المشهد! , فى تصرف حقير من جانب النظام الحاكم اذ لم اكن اتصور ان تصل الوقاحة الى هذا الحد , ولا استبعد ان يكون الامن متورطا بشكل ما فى تهريب المساجين اذ من غير المعقول ان يقوم البعض بالهجوم على السجون وتهريب المساجين دون مقاومة أمنية ومن المعلوم ان السجون فى مصر محصنة جيدا! , وذلك لتحقيق هدفين : الاول حدوث حالة من الفوضى الشاملة تتسبب فى افشال الثورة المصرية بحيث يتم الهاء الناس فى الدفاع عن أنفسهم والقيام بحفظ الأمن ومن ثم تنفض التظاهرات بشكل تلقائي , وهو بالمناسبة ما فعله زين العابدين بن علي فى تونس حيث قامت عناصر مجهولة بأعمال شغب وفوضى تبين فيما بعد انها تابعة لنظام بن على بهدف افشال الثورة التونسية , الهدف الثاني لكي يعرف الناس قيمة الاستقرار الذى عاشوه فى عهد الرئيس مبارك فى ظل القبضة الامنية ومن ثم يتمسك الناس بالرئيس مبارك لإعادة الامن والاستقرار الى البلاد!

ولأن مصر أكبر دولة عربية وهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة واسرائيل فى المنطقة فقد كان من الطبيعي ان تهتم هاتان الدولتان بما يحدث فى مصر , ولأن قيام تجربة ديمقراطية حقيقية فى مصر قد تفضى الى انتخاب نظام مناهض للولايات المتحدة واسرائيل وربما يشكل خطرا على عملية السلام فى المنطقة فلا استبعد ان تكون الولايات المتحدة واسرائيل خلف تعيين السيد عمر سليمان نائبا للرئيس بحيث تؤول الرئاسة اليه فى نهاية المطاف ذلك ان السيد عمر سليمان بيده ملف الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالى فهو معروف تماما فى الاوساط الاسرائيلية ويحظي بثقتهم , كما يعتبره البعض الحاكم الفعلي لمصر من وراء ستار فى ظل كبر سن الرئيس مبارك وعجزه عن مباشرة كثير من الملفات , اذ فضلا عن الملف الفلسطيني فان بيد عمر سليمان كثير من ملفات الامن القومى مثل الملف السوداني وملف دول حوض النيل وغيرها

والسؤال الذى يشغل بال جميع المصريين هو ما مصير مستقبل الحكم فى مصر؟! , وما هى خطتنا لتغيير النظام خلال المرحلة المقبلة وسط تلك التحديات؟!

كما سبق وقلت ان الامور تبدو غامضة ومفتوحة على جميع الاحتمالات وبالتالى من الصعب على اى باحث سياسي التكهن بنتيجتها , ولكنى على اى حال اتوقع ان يتنحى الرئيس مبارك عن الحكم بعد ان اهتزت صورته امام العالم تاركا الرئاسة تؤول بشكل طبيعي الى السيد عمر سليمان , بمعنى أننا فى انتظار انتقال سلس للسلطة يحفظ هيبة النظام اذ فضلا عن رضا الولايات المتحدة واسرائيل عن السيد عمر سليمان فانه يحظى أيضا برضا المؤسسة العسكرية ومن المعلوم أن المؤسسة العسكرية لها كلمة نافذة فى بلورة مستقبل الحكم فى مصر, وما علينا فى تلك المرحلة هو الاستمرار فى الدعوة للتغيير (السلمي) للسلطة من خلال تشكيل حكومة انقاذ وطني تشارك فيها جميع القوى السياسية بغض النظر عمن سيقوم برئاستها سواء كان الدكتور البرادعي او غيره , المهم ان تجتمع كل القوى السياسية عليه , بحيث تتولى تنظيم شئون الحكم وتغيير قواعد اللعبة السياسية بعمل دستور جديد للبلاد يفضى الى نظام ديمقراطي حقيقي , وأناشد كل المصريين بمساعدة رجال القوات المسلحة فى عملهم لحفظ الأمن والتصدى للمجرمين لحين عودة الشرطة الى تسلم مقاليد الامور , وختاما اسأل الله ان يحفظ مصر من كل شر وان يعيد اليها الامن والامان والاستقرار.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...