الدولة الرخوة والفتن الطائفية

الدولة الرخوة والفتن الطائفية
3٬344

[b]بقلم : هانى الجمل[/b]

في دولة القانون إذا شك أحدهم أن هناك من يخبئ أسلحة في بيته للقيام بأعمال إرهابية فإنه يؤيد ذلك بالدلائل و يتجه ببلاغات واضحة إلي النيابة أو الجهات المختصة للتحقيق في مزاعمه فإذا ثبتت مزاعمه فيتم محاسبة صاحب البيت و توجيه الاتهامات له بصفة رسمية و يراقب الرأي العام القضية عن كثب ليري كيف تسير القضية بصورة قانونية ليس فيها إجحاف لحق المواطن و أهله و ليس بها أي شبهة تحيز ضدهم من جهة و من جهة أخري ليتأكد من حفظ حق المجتمع إذا ثبتت التهم بصورة قاطعة علي المتهم. في دولة القانون إذا اتجه الشخص بتهمه مباشرة إلي الإعلام بدون أن يسلك الطرق الشرعية ثم ثبت كذب إدعاءاته و افترائها يتم مقاضاته من طرف المدعي عليه بتهم مثل التشهير و القذف و تتم محاكمته و معاقبته أشد العقاب حتى لا تكون فتنة.

في دولة القانون إذا اتهم أحدهم شخصا ما بحبس فتاة بغير إرادتها لأي سبب كان فإن ما تم في المثال السابق هو ما سيتم أيضا في هذه الحالة بكل احتمالاته المختلفة.

في دولة القانون لا يوجد احتقان بين عناصر المجتمع فنظام العدالة بشقيه القضائي و التنفيذي نزيه و عادل و حاسم فلا تتضخم المشاكل الفردية و لا تأخذ أكبر من حجمها فلا يشعر طرف بالظلم و لا يحتاج أحد لأن يستنصر بأحد أو يستقوي به فالكل يثق في عدالة و قوة النظام. فلا داعي للتحزب إذن و لا داعي لتكوين جبهات و استدعاء الدعم من كل الجهات الداخلية منها و الخارجية.

في دولة الديمقراطية تعتمد الدولة علي آلية اتخاذ قرار شديدة التعقيد و النظام لتضمن مشاركة الشعب بكل فئاته و قدراته في اتخاذ القرار فتضمن بذلك أفضل القرارات و أقربها لمصالح شعبها. فالشعب ينتخب ممثليه في المحليات و المجالس النيابية. و الجامعات و الكليات تنتخب رؤسائها و عمدائها. و المهنيون ينتخبون مجالسهم النقابية و رؤسائها. أصحاب الأديان المختلفة ينتخبون ممثليهم و رؤساء مذاهبهم. و لا تُحيد الشرطة و الجيش من الحياة العامة لتنفرد بهم الدولة فيكون لضباط و موظفي الشرطة و الجيش حق تكوين النقابات و اختيار ممثليهم و الحق في التصويت في الانتخابات العامة.

في دولة القانون و الديمقراطية الدستور الإنساني الرشيد يحمي الأقليات من جور الأغلبية عليهم بحجة الأغلبية و الديمقراطية.

في دولة الحرية لا يخاف الناس و لا يتأثروا بخطابات الجهل و إقصاء الآخر فالفكر التنويري يأخذ زمام المبادرة و يخاطب العقل و الروح في آن واحد في ظل اطمئنان و ثقة إلي نظام يرفع من شأن الفرد و يقيمه علي أساس عمله و مساهمته في رفعة الوطن لا علي أساس لونه أو دينه. ففي مجتمع كهذا محاولات زرع الفتن بين الناس هي أضغاث أحلام و أوهام مريضة تقترب من المستحيل.

أما في الدولة الرخوة فلا عدل و لا حسم و لا قوة بل ظلم و بطء و تردد و الكثير من الحسابات النابعة عن الوهن و الهوان. الدولة الرخوة ليس بها قضاء مستقل يقضي و يحسم و ليس بها مجلس شعب مستقل يراقب و يحاسب .. فآلية اتخاذ القرار مركزة في يد سلطة صغيرة ربما تتمثل في شخص واحد أو مجموعة صغيرة من الأشخاص.

إذن فصاحب الحكم الضعيف الواهن الذي يستمد ما تبقي له من قوة (بعد إقصاء الشعب بكل فئاته) من ضعف الداخل و أوليائه في الخارج مضطر أن يحسب لكل قرار بقدراته المحدودة الحسابات المعقدة التي لا يقدر عليها كفرد أو مجموعة صغيرة مقارنة بدولة القانون و الديمقراطية. و يتحكم في حسابات صاحب القرار (هذا إذا كان قادرا علي الحساب) عنصرين رئيسيين أولا إرضاء الخارج و ثانيا إبقاء الداخل ضعيفا ليتمكن من السيطرة أطول وقت ممكن علي الوطن و مقدراته.

ولإبقاء الداخل ضعيفا فربما يكون ترك بذور الفتن لتكبر و تترعرع ليس شيئا سيئا. و إن لم يكن ذلك مقصودا فهو بالتأكيد من السهل أن يكون نتيجة مباشرة لأي من صفات الدولة الرخوة المشار إليها في السابق كضعف نظام العدالة و بطئه. ففي الدولة الرخوة .. دولة الظلم .. حيث تتأخر العدالة أو تغيب كلية .. تضطر كل الأطراف للبحث عن حقوقها بكل ما يتاح لها من وسائل مشروعة كانت أو غير مشروعة و لا تصبح هناك مرجعية و لكن يصبح الحكم الوحيد هو ما يستطيع كل طرف أن يستند و يركن إليه من قوة متمثلة في علاقات و أطراف متضامنة داخليا و خارجيا و بالتالي تضيع الحقيقة و يضيع الحق و يشعر الجميع بالظلم و الاضطهاد و الإقصاء حتى الأغلبية.

في الدولة الرخوة تئد الدولة كل محاولات الخطاب التنويري لأنها تتخوف من تنوير الناس و انقلابهم عليها و في نفس الوقت ينتشر الخطاب الإقصائي للآخر غارسا جذور الفتنة في القلوب.

فلنري كيف تصرف النظام المصري مؤخرا في كل ما بدأ من مشاكل منذرة بفتن بين شقي الأمة (المسيحيين و المسلمين). ماذا فعل في أزمة اتهام الكنيسة بإخفاء أسلحة؟ ماذا فعل في الاتهامات المتبادلة المتتالية بخطف البنات و إجبارهم علي ترك دينهم أو الرجوع لدينهم القديم؟ ماذا فعل في أحداث العمرانية و في مقتل شهداء العيد في نجح حمادي؟ .. هل كانت ردود أفعاله جديرة بدولة يحترم فيها القانون أو تعلي كلمته؟ هل عرفنا الحقيقة في أي من تلك المشاكل؟ هل صدق إدعاء المدعين أم كذب؟ هل عوقب المتهم المدان؟ هل عوقب الكاذب مثير الفتن؟ هل عرفنا من الظالم و من الظلوم؟ هل تم الانتصار للمظلوم؟

ما هي آلية حسم الأمور؟ هل كان نظام قضائي قوي و مستقل؟ أم كان أن أضطر كل طرف للضغط بأوراق أخري و تحيز لجبهات أو أحزاب ليس لها علاقة بدولة يسود فيها القانون و يحكم بين الناس؟ .. أنظر إلي ما بدأت به المقال لتعرف كيف كان تسير الأمور في دولة القانون و قارنها بما جري في مصر.

ليس بالضرورة أن من فعل ما فعل من جرم شنيع في الإسكندرية هو مسلم أو حتي مصري فربما لا يكون كذلك و لكن المشكلة الأساسية تكمن في الشك المتبادل الذي لا نستطيع إنكاره بين عنصري الأمة و المتنامي يوما بعد يوما و الذي يغري أعداء الأمة باستغلاله و المساهمة في ترسيخه.

علي الجانب الآخر يجب علينا نحن المصريين (مسلمين و مسيحيين) أن ننتبه و نسعى لحل المشكلة من جذورها بدلا من أن ننساق لفتن قد يكون فيها هلاك ما تبقي من مصر كنا في يوم من الأيام نباهي بها الأمم الأخرى.

و إذا كنت تشك في كلامي فلتتذكر فتنة مباراة السودان بين مصر و الجزائر و تتذكر رد فعل الدولة و كيف كان مشابها لأقصي حد لما يحدث الآن بين مسلمي و مسيحيي مصر و كيف أن غياب الدولة أدي إلي تفاقم المشكلة و اشتعال الفتنة بدلا من وئدها في مهدها. إنها الدولة الرخوة سبب كل مشاكلنا.

يجب إذن أن يكون سعينا لدولة القانون .. دولة الديمقراطية .. دولة الحرية و العدل و حقوق الإنسان .. يجب أن يكون ذلك هو شغلنا الشاغل و مطلبنا الأول و الأخير. فلا يجب أن تشغلنا المظاهر المتعددة للمشكلة عن النظر و التدبر في جوهرها و جذورها.

فلننزل إذن إلي الشارع مطالبين بوطن حر .. نحترم فيه جميعا و نشارك في اتخاذ القرار ..

و ليكن نداؤنا .. عاشت مصر حرة مستقلة .. عاشت مصر حرة مستقلة .. و قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك .. خد بنصرى نصرى دين واجب عليك ..

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا