حوار البرادعي كاملا مع جريدة الشروق

حوار البرادعي كاملا مع جريدة الشروق
510

الجزء الأول
التقينا أول مرة فى نيويورك، كان محمد البرادعى فى ذلك الحين منتدبا من الديوان العام لوزارة الخارجية للعمل فى الوفد الدائم فى نيويورك. وقع اللقاء فى منزل أحد الأصدقاء المشتركين، وفى حضور عدد من أعضاء الوفد الدائم، أذكر منهم نبيل العربى القاضى السابق فى محكمة العدل الدولية وعمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، وسيد قاسم المصرى. الوكيل المساعد السابق فى منظمة المؤتمر الإسلامى وآخرين.

كانت حرب يونيو 1967 مازالت تلقى بظلالها على حياة الدبلوماسيين المصريين فى الخارج، وسمعت فى تلك الليلة حكايات عن الأيام الصعبة التى قضاها أعضاء الوفد المصرى فى نيويورك، كانت الحكومة المصرية قد رفعت توقعات الدبلوماسيين فى الخارج واثقة من أن النصر مؤكد. ووجهت وفدنا الدائم فى نيويورك إلى رفض أى مشروع قرار تتقدم به الدول الأعضاء فى مجلس الأمن يهدف إلى وقف إطلاق النار. كانت الحماسة فائقة إلى درجة دفعت بالسفير محمد عوض القونى، وكان معروفا بأنه من أكفأ العاملين فى الدبلوماسية المصرية ومشهودا له بالاتزان، هدد الدول العظمى فى ذروة الأزمة بأنها إذا أصرت على انعقاد مجلس الأمن فإنه سيمتنع عن حضور الجلسة وسيبعث محله بأصغر واحد دبلوماسى فى وفد مصر ليجلس فى مقعد مصر. وكان محمد البرادعى الشاب حديث العهد بدبلوماسية الأمم المتحدة، ولكن معروف بعناده وصلابته، هو الذى اختاره السفير القونى لهذا الغرض.

دار حديثنا ونحن فى الطريق لتناول العشاء حول ما خلفته حرب 1967 من آثار على مصر وشعبها. وكان واضحا أن أمورا عديدة لم تستردها مصر بعد أن فقدتها فى هذه الحرب أو بعدها، وإن كانت استردت كرامة السلاح وسمعة العسكرية المصرية، واستردت الأراضى، إلا أنها لم تسترد ما فقدته فى منظومة القيم وفى ثقتنا فى أنفسنا وفى بعضنا البعض. ومازال الإنسان فى مصر يفتقر إلى الاستمتاع بحقه فى حياة حرة وكريمة.

وجدته مستعدا لحديث مطول مع «الشروق» يتحدث فيه عن تجربة الأسابيع الأخيرة منذ بدرت أول إشارة إلى نيته فى ترشيح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية فى الانتخابات الرئاسية المقبلة وليتحدث فيه أيضا عن تفاعله مع ردود الأفعال وانعكاساتها على تطور أفكاره وخططه. وافترقنا على وعد بلقاء فى منزله فى الخامسة من مساء اليوم التالى.

اللقاء
يتحدث بصوت هادئ وجدية لا تخلو من بساطة. لا يتردد فى مخاطبة من يدير معه الحوار باسمه الأول، دون تكلف، وهو يواصل حديثه بحماسة، محركا يديه فى لحظات الانفعال بما يقول. فى بيته الذى انتقل إليه قريبا فى الطابق الرابع من بناية فى شارع رئيسى من قلب العاصمة النمساوية، كان اللقاء، بعد أكثر من أسبوعين على نهاية عمله رئيسا للوكالة الدولية للطاقة النووية. استمر الحوار ما يقرب من 5 ساعات ونصف الساعة، اعتذر خلالها عن جميع مكالمات التليفون. رغم كثرة الأسئلة لم ينقطع الحديث إلا مرة واحدة لتناول الشاى والقهوة.

منذ أن أعلن محمد البرادعى عن نيته للترشيح فى الانتخابات المقبلة لمنصب رئيس الجمهورية، «لو توافرت شروط مناسبة تضمن سلامة العملية الانتخابية ونزاهتها»، ظهرت ردود أفعال متعددة. من ناحية، انطلقت حملة سياسية وإعلامية ضد، تتهمه بـ«الاستعلاء» وتصفه بأنه «الرئيس المشروط»، وأن حديثه عن تعديل الدستور سيقود إلى «انقلاب دستورى». فى الوقت نفسه، رحبت شخصيات أكاديمية وسياسية وإعلامية بموقفه، الذى «يحرك الكثير من المياه الراكدة فى المشهد السياسى المصرى».

سافرت إليه «الشروق» فى فيينا، وفتحت معه هذا الحوار لتتعرف على رؤيته للأوضاع الراهنة فى مصر، ونواياه وتوقعاته للمستقبل..

متى بدأت التفكير فى الترشح للانتخابات الرئاسية؟

موضوع الترشيح للرئاسة جاء بالنسبة لى كمفاجأة لم تكن فى حسبانى. بالطبع أتابع كأى مصرى ما يمر فى الوطن، لكننى أعلنت نيتى فى عدم الانخراط بالعمل العام مرة أخرى، خاصة أن الاثنى عشر عاما الأخيرة من عملى كانت فترة صعبة، وكنا نريد أنا وزوجتى أن نقضى أخيرا بعض من الوقت فى حياتنا بهدوء، ونقوم بالأشياء الذى حرمنا لفترة طويلة أن نقوم بها.

لكنك تلقيت «المفاجأة» بهدوء، وأعلنت أن ترشحك رهن بإجراء تعديلات قانونية ودستورية، وصفها البعض بأنها مستحيلة..

ما أطالب به يتجاوز مصطلح «تعديلات». إذا كنا نريد أن نبدأ بداية جديدة وجدية فى مصر، يجب أن نتوقف عن الحديث عن «تعديلات» لإزالة عوائق قانونية ودستورية فقط، لأن مثل هذه التعديلات قد تساعدنا فى انتخاب رئيس فى ظروف نزيهة فى عام 2011، إلا أنها تبقى مجرد عملية «ترقيع». المهم هو ما يأتى بعد ذلك، فالأمر لا يتعلق بشخص واحد فقط، وإنما بمصير وطن».

الديمقراطية تستغرق وقتا طويلا. هى ليست مثل صنع فنجان القهوة، فهى تحتاج إلى وقت. ولكن هذا لا يعنى ألا نستفيد من تجارب الآخرين، مثل ذلك الذى حدث فى شرق أوروبا فى أعقاب الاتحاد السوفييتى، من نظام شيوعى استمر 60 عاما إلى نظام ديمقراطى يتمتع بانتخاب حر وصحافة حرة. فى الوقت نفسه لا يجب أن نتخذ من الوقت ذريعة، فقد نحتاج إلى سنة أو سنتين لإنجاز ما نريد، ولكن من العبث أن نقول إننا نحتاج إلى 50 عاما، والحجج الذى تقال حجج واهية.

ما حجج تأجيل الديمقراطية التى ترى أنها «واهية»؟

على سبيل المثال، نقول إن مصر فقيرة، وهذا ليس سببا كافيا، فأنا كنت منذ فترة قصيرة فى الهند، لأتسلم جائزة أنديرا غاندى للسلام. والهند رغم ما فيها من أمية وفقر أكثر من مصر، استطاعت مرتين على الأقل أن تسقط الحكومة، لأنها لم تستجب لمطالب الفقراء، والفقراء الذين لم تصلهم نتائج هذا الانفتاح الاقتصادى هم الذين أسقطوا الحكومة وليس الطبقة الوسطى.

إذا كنا جادين نحو الديمقراطية، فيجب أن يكون هناك عدة خطوات. الخطوة الأولى والسريعة هى ضمان شفافية ونزاهة الانتخابات، وإشراف قضائى كامل. الإشراف الدولى ضمانة أخرى مهمة، والاعتقاد أن هذا تدخل فى شئون الدولة، تفكير عقيم، فهذا لا ينتقص من سيادة الدولة فى شىء بل هذا يزيد منها، لأنه يؤكد شفافيتها ويوصل رسالة إلى المجتمع الدولى بأننا جزء من هذا المجتمع، الذى ينضوى تحت منظومة عالمية لا يمكن أن نخرج منها.

هل ضمان شفافية الانتخابات كخطوة أولى وسريعة يكفى لتقرر المشاركة؟

قبل أن يفكر الإنسان فى الانتخابات، أرفض الدخول فى نظام لا يعطينى الحق فى أن أترشح كمستقل. ليس هناك نظام برلمانى فى العالم يسلب الشخص الحق فى أن يدخل الانتخابات كمستقل. راجعت الدستور الفرنسى، يقول لكى يترشح أحد المستقلين يجب أن يحصل من المجالس المحلية على 500 صوت، من 45 ألف صوت، أى أقل من 1%. الدستور المكسيكي لا يضع أي شروط. راجعت الدستور الأمريكى، والشيلى، والسنغالى، وغيرها. أجريت مسحا للأنظمة الدستورية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. لم أصادف ما يوجد عندنا فى مصر، حيث يضع الدستور شرطين متناقضين، معناهما أنه لا يمكن لأى مستقل أن يترشح، فى ظروف مصر الحالية.

اليوم، نحن نتحدث عن حزب له أغلبية فى البرلمان، والشروط الموضوعة تجعل من المستحيل لمرشح مستقل أن يحصل على هذه التوقيعات. الدستور من الناحية النظرية لا يحرم المستقل أن يدخل الانتخابات وإنما من الناحية العملية يجعلها مستحيلة، والدستور لا يجب أن يكون إطارا شكليا، وإنما يجب أن يكون إطارا قابلا للتطبيق.

هل هناك تفاصيل أخرى لفتت نظرك فى الدستور الحالى، وتنادى بإعادة النظر فيها؟

كل الدساتير، التى تصنف كديمقراطية، لا يوجد منها ما يسمح بأكثر من فترتين للرئاسة، ودستور مصر لا يحدد فترات الرئاسة. الدستور المصرى به 15 خطأ مطبعيا، إذا كنا لا نستطيع أن نطبع أو ندقق القوانين، فهذا أكبر دليل على ما وصل إليه حالنا. إذا كان هذا حال دستورنا فما الذى وصلت إليه الخدمات الأخرى، من علاج شخص فقير فى الريف، إلى تعليم طفل فى قرية، وهذا هو ما يعكس القيم الذى ننظر إليها؟

وفى الدستور الذى يسعى لترسيخ الديمقراطية، لا تطغى سلطة على الأخرى، لكن فى دستور مصر أجد أن هناك سلطة واحدة طاغية بشكل لم أشاهده فى أى دولة أخرى، وهى السلطة التنفيذية الممثلة فى رئيس الجمهورية، على السلطة التشريعية. الدستور هو الذى يجب أن يرعى الحدود بين السلطات لضمان تأمين دورها فى الوطن.

ما الفرق بين «يقرر أو يضع»، من الذى يعمل ومن الذى يقرر، مجلس الشعب أم الرئيس؟

هناك 33 مشروع قانون مكمل للدستور، وهذه بدعة لم أرها من قبل. الدستور يجب أن يكون له مضمون واكتفاء ذاتى يكفل حرية الشعب، ولكن مواده متناقضة، مثلا هناك مادة لمكافحة الإرهاب، ومن ثم نجد الدستور يسمح بدخول منزلك والتنصت على مكالماتك. من الذى يملك قانونيا تعريف جريمة الإرهاب؟ القاضى المدنى وليس الرئيس. ولكن حين تنظر فى الدستور فهو على العكس، يتحدث بصورة نظرية عن كل الحقوق ويسلب معظمها بعد ذلك. هناك فرق بين القانونية والمشروعية. والكثير من مواد الدستور تفتقر إلى المشروعية، لأنها لا تتفق مع القيم الموجودة فى العالم، ولأنها فى كثير من أوقاته لا تطبق لأنها مسنودة بقوانين.

قانون الطوارئ يحكم مصر منذ 30 سنة، والدستور عبارة عن قصاصات ورق، لأن المعيار فى الحقيقة هو: هل الدستور يحمينى أصلا؟ هل يكفل لى الحرية أم لا؟ سنة 1975، أنور السادات طلب من إسماعيل فهمى أن يعد دستورا جديدا، واشتغلت أنا وزميل لى فى إعداد دستور جديد أرسلناه عام 75 إلى السادات. لم نؤلف بل كان هناك موسوعة دساتير العالم صادرة من مجلس الأمة أو مجلس الشعب، أخذنا منها أحسن الموجود، طبعا لم أسمع عن هذا الدستور منذ ذلك اليوم، ويا ريت أجد نسخة منه الآن. لقد استغرقنا فيه لأكثر من شهر، وضمنا فيه ما يكفل التوازن الدقيق بين السلطات، وما يحقق حرية الأفراد.

وما الدوافع التى جعلت السادات يطلب دستورا جديدا؟

ربما كانت الدوافع تبدو وقتها ضرورية بعد حرب 1973، وكل ما أعلمه أن السادات كان يريد دستورا جديدا، وطلب من إسماعيل فهمى ذلك بشكل سرى. نحن نحتاج إلى دستور، وصياغة دستور جديد تعنى إيجاد إنسان جديد، يعرّف المواطن حقوقه ويكفل له التوازن بين حياة عادلة، حقه فى الحرية، والتنمية الاقتصادية. الدستور ليس ورقة وإنما عقد اجتماعى بين جميع طبقات الشعب، نحن نريد أن نسير على هذا الطريق، وهذه هى الأهداف الذى نريد أن نحققها.

الشعب أيضا لازم يطالب بهذا، المسألة ليست فقط أن نصوغ مادة، أو نجرى تصويتا، بل يجب أن يكون لدينا نظرة شاملة. نحن وطن، يجب أن تكون نظرتنا على الأقل إلى ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة عقود مقبلة. الهدف قصير الأمد هو تعديل الدستور لانتخاب الرئيس، إنما هذا لن يؤدى إلى حل مشكلاتنا، لأنه من الممكن أن يأتى لنا هذا الدستور بـ«المستبد العادل»، إنما نحن نريد نظاما جديدا يقوم على الديمقراطية ويكفل حياة كريمة للمواطن المصرى.

فى تعديلاته الأخيرة خصص الدستور حصة للمرأة، ورأى البعض فى الفكرة استكمالا لتخصيص مقاعد للعمال والفلاحين، بما يعنى صياغة «عقد اجتماعى بين جميع طبقات الشعب» كما تقول؟ لماذا يضع الدستور حصة أو «كوتة» للفلاحين والعمال؟

كان لهذا مبرره بعد 1952. الآن يضع كوتة أخرى للنساء، فماذا عن الأقباط؟ المجلس به كم قبطيا؟ بالانتخاب يوجد نائب قبطى واحد، بينما الأقباط لا يقلون عن 8% من إجمالى الشعب، إذن هناك مشكلة.
للسيدات الآن 64 مقعدا، وللفلاحين 50 مقعدا، وللأقباط مقعد واحد، كل هذه مسائل ديماجوجية، ليست مبينة على تفكير عقلانى، ولذلك كل هذه الاعتبارات يجب وضعها فى بوتقة فى إطار لجنة تأسيسية تمثل جميع الشعب من الإسلام السياسى إلى الماركسيين، ونتفق كيف تتوافر مقومات المساواة والعدالة الاجتماعية فى دستورنا. لن تكون العملية سهلة لأن هناك طوائف مختلفة، ولكن لابد من العمل على ذلك.

الدستور الجديد لابد أن يحقق السلام الاجتماعى لكل طائفة: مسلم، قبطى، بهائى، طفل، إمرأة. لابد أن يثق الجميع بأن حقوقه مكفولة وأن الدولة تتعامل معه على قدم المساواة مع زملاء المواطنة. الدستور الحالى هو الخامس منذ الثورة، بعد دساتير 53 و56 58، ثم 64 و71. خمسة دساتير فى خمسين سنة فقط. إذا وجدنا الدستور متخلفا عن متطلباتنا فلابد أن نسارع بوضع دستور جديد يضمن للمواطن مصالحه وحقوقه فى الوقت الحالى، ويضمن استقلال الدولة، ويكفل أن تتطور بأسلوب منضبط. الفرق بين الثورة والنظام التشريعى هو التقدم وفقا لتغيير منضبط بالدستور والقوانين.

نحن نحتاج إلى نوع من المصالحة والمصارحة الوطنية. يجوز أن تسير بالتوازى مع الدستور، لكى يعبر الدستور بالفعل عن حقيقتنا وليس عن القناع الذى نضعه.

وأين ترى نقطة البداية لاستعادة الدستور هيبته ودوره؟
إذا كنا نريد أن نبدأ بداية حقيقية يجب أن نضع دستورا جديدا، لأنه حتى إذا جاء أعظم إنسان فى ظل هذا الدستور، سيواجه مشكلات حقيقية سياسية واجتماعية واقتصادية. ولن يكون هناك ديمقراطية أو حرية بدون دستور جديد لأن الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية كلهم مرتبطون ببعض.

نحن اليوم فى وضع عدم استقرار، ولا يجب أن ننتظر سنتين. والمشكلة هى أنه لا يوجد فكر متكامل لمعنى الدستور، والتوازن الذى يضمنه بين السلطات بحيث لا تطغى واحدة على الأخرى. لذلك أنا أدعو الرئيس مبارك إلى إنشاء لجنة تأسيسية لصياغة دستور جديد، على أن تكون هذه اللجنة بالانتخاب المباشر، وتضم خبراء القانون الدستورى. ويجب أن تكون لجنة معبرة فى نهاية المطاف عن جميع انتماءات الشعب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لأن وظيفة هذه اللجنة ستكون إعداد دستور يمهد لبناء سلام اجتماعى قوى فى مصر.

نحن لا نصنع العجلة، يجوز أن تضم عددا من فقهاء القانون بالتعيين، على أن يقوموا هم باختيار الأفضل من بينهم. وهذا السلام الاجتماعى يجب أن يكون قائما على نوع من المصالحة الوطنية. نحن لدينا مشكلات؛ مثلا التوتر بين المسلمين والأقباط، ولا يكفى أن نقول إننا نسيج اجتماعى، فنحن نضحك على أنفسنا، لابد أن نعترف أن هناك أقليات، والأقليات دائما يكون لديها حماية خاصة من الجهاز القضائى، ولا يمكن أن ندفن رأسنا فى الرمل. فإذا واصلنا القول إننا «قماشة وطنية واحدة وليس لدينا مشكلات، ونقوم على قيم مصرية أصيلة»، فليحدد لى أحد ما القيم المصرية الأصيلة اليوم؟.

الشروط المضحكة
شروط تكوين الأحزاب فى مصر مضحكة. لو رغب مواطن فى تشكيل حزب جديد، يجب أن يعرض الأمر على لجنة يرأسها الحزب الحاكم، إذن سأدخل تحت مظلة الحزب الحاكم. وهناك مثلا شرط أن يكون الحزب الجديد مختلفا عن أى حزب موجود، وبصراحة أصبحت الفروق بين الأحزاب معدومة، ومن ثم شرط أن يكون الحزب مختلفا لا يتحقق بسهولة. فكرة أن الحزب الحاكم يوافق على فكرة تشكيل حزب جديد يجعل من العملية كلها مسرحية، لأن الحزب يعنى الحق فى التجمع، وعليه فقط أن يخطر الحزب الحاكم بتأسيسه، وليس من حق الحزب الحاكم أن يقرر من يتكلم، وكيف يتكلم، كيف يتظاهر وبأى أسلوب.

إذا كان الدستور بصورته الحالية يطلب منى أن أمثل أمام الحزب الحاكم إذا أردت أن أؤسس حزبا، لأذكر أسباب رغبتى فى إنشاء الحزب الجديد، ثم يصدر الحزب الحاكم قراره بالموافقة أو الرفض، فهذا شرف لا يمكن أن أعطيه له نهائيا، لأنه لا يتفق مع أبسط مبادئ الديمقراطية. هذه الأوضاع، لا يستطيع أى إنسان يحترم نفسه أن يدخل فى إطارها، لأنها تجعل كل العملية عملية اصطناعية، وبالتالى فإن مطالبى ليست شروطا أو استعلاء، ولكن لن أدخل الانتخابات إلا إذا كانت لدىّ فرصة لأن أفوز، وإلا سأكون جزءا من ديكور.

ولماذا طالبت فى بيانك بأن يكون الرئيس المقبل «رئيسا توافقيا يلتف حوله الجميع»؟

طلبى أن يكون مرشح الرئاسة توافقيا لا يعنى أن أكون أنا مرشحا توافقيا، بل يجب أن يكون المرشح لرئاسة مصر فى هذه الفترة، «توافقيا»، لأن مصر تشرذمت، أصبحنا قبائل لا يجمعنا الكثير، وإنما لابد أن يكون هنا قيم مشتركة، تحدد لماذا يكون هناك «دولة اسمها مصر». هذه قيم مشتركة لا أظن أنها موجودة فى مصر لكنها ليست فى الحقيقية موجودة.

وما أهم مظاهر ما تصفه بالتشرذم فى «دولة اسمها مصر»؟

فى 1952 قامت ثورة صاحبتها فى نفس الوقت سياسة قمعية فى الداخل، بدء من محاكمات الإخوان إلى مطاردات الشيوعيين. ثم انتقلنا من رأسمالية الدولة إلى ما يطلق عليه نظام اقتصادى حر مفتوح. الدولة كانت تقوم على ما تعرفه، وليس على أساس من الحقيقية، ونتيجة هذا نجح البعض فى استغلال ثغرات موجودة لتحقيق المليارات. هناك تدهور كبير منذ الثورة، بعض الأشياء نفذت والكثير لم ينفذ، الطبقة الوسطى اندثرت، وهى حزام المجتمع. ونشأت طبقات ما يطلق عليها طبقة الأغنياء الجدد، وعمر قيم المجتمع ما يتم تحديدها من جانب الطبقة الغنية. نتيجة لكل هذا أصبحت القيمة الأساسية التى تحكم مصر الآن السلطة أو المال وليس العلم. السؤال أصبح: ما سلطتى وما المال الذى أملكه وليس علمى أو قدرتى.

منذ 1952 أصبحنا مجتمعا مشرذما، نعيش كقبائل لا يجمعها شىء. حصلت تطورات خلال الـ50 عامة الماضية خلقت وغيبت القيم المصرية، وزرعت فينا الروح القبلية.عندما انتقل إلى الشمال من العاصمة، أرى كيف يعيش الناس، الذين يملكون الفيللات والحياة السهلة والبذخ المذرى والقيم التى لا تمت إلى مصر بصلة. وعندما ألتفت إلى جهة أخرى اصطدم بأقصى درجات الفقر. نحن نسير فى الشارع ولا نرى الفقراء، فقد أصبحنا لا نرى مشكلات المجتمع الأساسية.

تتحدث عن مجتمع فقد خلال العقود الستة الماضية قيمه وسلم نفسه لروح القبلية والتشرذم، فكيف ترى الطريق لعلاج ذلك؟

الخطوة الأولى هى المصارحة بأخطائنا الذى ارتكبناها منذ سنة 1952. لقد قمنا بأشياء جيدة، ولكننا أخطأنا فى أشياء كثيرة، يجب أن نصارح نفسنا بأخطائنا، ومنها الأخطاء الاقتصادية. هناك مشروعات كبيرة تم إنفاق الملايين عليها، ولا نعرف مصيرها، مثل شرق التفريعة، من المسئول؟

ليس لدينا نظام للمحاسبة، وهذا لا يعنى أنى أطلب الآن محاسبة أى من هؤلاء الناس. فى هذه المرحلة نحن لا نستطيع أن نحول نظرنا من المستقبل إلى محاسبة هؤلاء، فنحن مشكلاتنا اليوم أكبر بكثير من أن نتطرق منها إلى محاكمات وعقوبات، الماضى له ما له، على الأقل فى المرحلة الحالية، هذه هى مصر بمشكلاتها الثقيلة، والسؤال الأهم هو كيف نسير إلى الأمام؟

نهاية الجزء الأول
……………………………………………………..

الجزء الثاني من الحوار

تحدث البرادعى بصراحة عن رأيه فيما آلت إليه الأوضاع فى مصر، وكان واضحا كل الوضوح فى إشاراته عن الدستور الراهن ومآخذه على جوانب فيه، وهذا الوضوح الذى يسمح لى بأن استخدم عبارة «العجز الدستورى» لتلخيص توصيفه للحال الدستورية فى مصر استطعت بسهولة أن أفهم حرص البرادعى على أن يوجه نداء إلى السيد الرئيس وقيادات مصر السياسية والثقافية لبذل الجهود اللازمة لوضع دستور جديد للبلاد، وأستطيع أن أتفهم مقدما بعض ردود الفعل. ولكن لم أفهم وإن حاولت تفهمه وفشلت، هو الهجوم العنيف الذى تعرضت له المواقف المبكرة للبرادعى عندما طرح على الرأى العام المصرى نيته فى الترشيح لمنصب الرئاسة فى الانتخابات المقبلة.

تحدثت مع البرادعى عن قسوة الهجوم، ولا أقول بشاعته، ولكن سألته: كيف تجاسر بعض المسئولين وعدد من الإعلاميين المحسوبين على السلطة التنفيذية وأدلوا بتصريحات أو كتبوا عبارات تتناقض مع مواقف السيد رئيس الجمهورية وكلماته الواضحة والمتميزة والتى عبر بها عن إعجابه بشخص البرادعى. قرأت للبرادعى فقرات من كلمة السيد الرئيس مبارك فى تكريمه كنماذج عن رأى الرئيس فيه قبل أن تتناوله تصريحات وأقلام إعلاميين يتمتعون بمناصب محترمة فى الصحف والفضائيات. يقول الرئيس «نلتقى اليوم تكريما للدكتور محمد البرادعى.. واحتفاء به ابنا بارا من أبناء مصر، ونبتة طيبة من أرضها الطاهرة».

«أعبر لهذا الابن البار بالأصالة عن نفسى وباسم شعب مصر عن مشاعر التهنئة والاعتزاز بمناسبة فوزه المستحق بجائزة نوبل للسلام، تقديرا لجهوده وجهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التى يضطلع بأعباء إدارتها بتميز واقتدار». جاء أيضا فى كلمة الرئيس «تلك لمحات لبعض المسئوليات التى يضطلع بها هذا المصرى البارز، والقضايا الشائكة والدقيقة التى يتعامل معها من موقعه الدولى الرفيع…»

***
مواطن مصرى لم يفعل أكثر من أن يعرب عن نيته فى ترشيح نفسه رئيسا، فأثار حملة شرسة ضده. لماذا هذه الحملة وهل كان يتوقعها البرادعى حين أصدر بيانه الشهير؟

جاء رد البرادعى حادا وسريعا حين وصف الحملة بأنها شىء مؤسف «صحيح أن كل شخص من حقه أن يبدى رأيه إذا كنت أصلح أم لا، ولكن الفيصل فى ذلك هو الشعب وليس الحزب الوطنى. عندما سوف أستجيب وأقرر وفقا لرغبة الشعب. فالشعب هو الذى يقرر أن كنت أصلح أم لا أصلح».

وأضاف فى رده الحاد والسريع «لا لم أكن أتوقع هذا إطلاقا، وإنما للأسف أصبحت بعض الجرائد الحكومية عبارة عن نشرات حكومية أكثر منها جرائد، وإذا كنت من وجهة نظرهم لا أصلح، فليقولوا لى ما المعايير التى يجب توافرها فى رئيس الجمهورية، ومع هذا فالشعب فى النهاية هو الذى سيحكم.

ما أريده هو أن تكون مصر دولة ديمقراطية بها حرية ونظام سياسى اقتصادى واجتماعى يكفل للشعب أن يحقق له أكثر مما تحقق له حتى الآن ولا يهمنى على الإطلاق من الذى سيأتى فى نهاية المطاف.

****
عرفته متواضعا، وسمعت من بعض من عملوا معه فى الوكالة ومن زملائه فى وكالات دولية أخرى أنه لا يتكبر على مساعديه أو على مندوبى الدول ورغم ذلك فقد اتهمته الحملة الشرسة بأنه متعالٍ.

«هؤلاء الأشخاص الذين شنوا الحملة على يأتون من قلب النظام الحاكم هذا النظام الذى لا أدين له بأى شىء بل بالعكس هذا النظام عمل ضد ترشيحى مديرا عاما للوكالة. وحين قابلت الرئيس لم أسأله أبدا عن سبب عدم ترشيحى، واستمريت أعطيهم النصيحة المخلصة لأن هدفى فى النهاية خدمة الوطن».

كنت موظفا فى وزارة الخارجية، وكان لدى علاقات طيبة، ولكن غالبا المصلحة الشخصية طغت على ذلك كله. قالوا حينئذ عن عدم ترشيحى للوكالة إن أمريكا وأوروبا هما اللتان قامتا بترشيحى، وهذا ليس صحيحا، لأن المجموعة الأفريقية هى التى رشحتنى.

***

علاقتى بالرئيس مبارك كانت علاقة مواطن مصرى فى موقع مسئول يرى أشياء كثيرة يجب على مصر أن تفعلها، فكل سنة حين أذهب إلى مصر، كنت أطلب مقابلته، أذكر له ما يجب أن يقوم به فى السياسة الداخلية والخارجية، كانت علاقة مودة واحترام، واستمرت على هذا النحو على مدى 6 سنوات. بدأت علاقتى مع الرئيس منذ مشكلة العراق، حين تحدثت معه طالبا منه أن يتدخل فى محاولة لحل الموقف، حدث هذا فى عام 2002، عندما بدأت المشكلات تنعكس على العالم العربى، ووجدت لمصر دورا تستطيع أن تقوم به فى حل هذه المشكلات».

وعن علاقته مع جمال مبارك قال قابلته ما يقرب من خمس مرات، وتناقشت معه فى الأمور السياسية الخاصة بالدولة بما انه له اهتمامات سياسية، وهو شخص مهذب ومستمع جيد، وله آراء خاصة تتعلق بالقضايا المختلفة تختلف عن آرائى.

رئيس للوكالة

انتقل الحوار إلى ظروف ترشيح البرادعى مدير عام لوكالة الطاقة الذرية

قال: «عملت بالوكالة ثلاث سنوات فى نيويورك ابتداء من عام 1984، ثم انتقلت إلى فيينا بعد رحيل الرئيس السويدى، كان الاتجاه فى الوكالة لترشيح رئيس من العالم النامى، لأن الرئيس فى الفترات السابقة كان دائما من الغرب، ورأوا أننى الشخص المناسب، وكان هناك توافق على ترشيحى، فجأة وجدت مصر تقول إنها تريد أن ترشح شخصا آخر، اندهشت، هذا أقل ما يقال، وقد كتبت الجرائد هنا فى النمسا عن هذا الموضوع حتى إنها كتبت أن ترشيح مصر لشخص آخر جاء نتيجة علاقات شخصية بين المرشح والحكومة، دخل مرشح الحكومة الانتخابات وحصل على 15 صوتا فقط، وكان هناك 6 مرشحين، ولم يحصل أحد منهم على الأغلبية المطلوبة من الأصوات وهى 24 صوتا. جرت الإعادة، وقامت المجموعة الأفريقية، برئاسة السودان بتقديمى للترشيح رسميا، وحصلت على 33 صوتا من 34 صوتا فى أول تصويت، أى حصلت على ما يشبه الإجماع.

تحدث بعض الوقت عن هذه الحملة وأطرافها وشعرت بقدر المرارة فى حلقه. ظهرت هذه المرارة واضحة حين قال بصوت أعلى قليلا من الصوت الذى أعتدت عليه منه بداية اللقاء. فهمت للأسف أن موقف مصر كان نتيجة علاقات شخصية وكان يحز فى نفسى، ولكن سمعت بعد ذلك أن الرئيس مبارك قال إنه لم يستشر فى هذا الترشيح شخصيا، ولا أستطيع أن أقول إن ما حدث ليس إلا سوء إدارة وعدم تقدير جيد للأمور.

العلاقة مع إسرائيل

المضحك أن الوحيدين اليوم الذين لا يقفان معى هما إسرائيل وصحف الحزب الوطنى إسرائيل لأكثر من سبب. فحين ضربت سوريا، أنا الوحيد الذى قال إن ذلك مخالف للقانون الدولى، لم يتكلم أحد ولا حتى مصر فى ذلك الوقت. حتى الأوروبيين لم يتكلموا وقلت لهم ذلك حين اجتمعت بـ25 مسئولا أوروبيا على حفل غذاء، وسألتهم ما المصداقية الخاصة بكم إذا كنتم رأيتم ذلك ولم تتكلموا؟.

نفس الشىء فى حالة إيران إسرائيل كانت تريد أن أقول أن إيران لديها برنامج نووى، بينما كنت أكرر انتقادى أن هناك عدم توازن فى المنطقة العربية طالما أن إسرائيل خارج المعاهدات، كل هذا لم يكن ليسر الإسرائيليين، أنا ذهبت إلى إسرائيل بناء على قرار جماعى اشتركت فيه جميع الدول العربية، ليس بغرض تفتيش، مثل الباكستان أخذنى الإسرائيليين بالطائرة لأرى كيف أن حدودهم قريبة من القدس. إسرائيل لأسباب سياسية مختلفة تعامل معاملة خاصة، أما أنا بالنسبة لى كمدير عام للوكالة أعاملها كدولة عادية شأنها شأن أى دولة أخرى.

يؤسفنى أن أقول إنه حصل تطبيع بين الجرائد الحكومية وإسرائيل فيما يتعلق بمهاجمتى. كونى عبرت عن تعاطفى مع 6 ملايين يهودى أبيدوا لا يعنى أننى متفق على أن يعاملوا فلسطين بهذه الطريقة. والوكالة لم يصدر أى قرار ضد إسرائيل، فالوكالة هى الدول الأعضاء، والوكالة على مدار 15 عاما لم تصدر قرارا ضد إسرائيل.

أما كيف يرى البرادعى العلاقة الراهنة بين مصر وإسرائيل ليس باعتباره موظفا دوليا ولكن باعتباره مواطنا مصريا، قال: «العلاقة طبعا متوترة وستظل متوترة طالما أن القضية الفلسطينية لم تحل، وإذا قلنا غير ذلك نكون نضحك على أنفسنا، اليوم إسرائيل تغير قوانين اللعبة.

عندما قامت إسرائيل عام 1948 كان للدولة الفلسطينية 40% وإسرائيل 60%، كان من حق اللاجئين العودة أو التعويض، فى عام 67 حدث تغيرات أخرى، اليوم القدس ضمت والفلسطينيون لا يرجعون، إن الهدف الإسرائيلى أى Code post تغير، واليوم إسرائيل تقتل كثير من الأفراد ولذلك ستظل العلاقة متوترة فى المنطقة العربية، وستستمر الأنظمة بدون مصداقية.

الملف النووى المصرى

كنت أعرف أن البرادعى حين كان يشغل وظيفة سكرتير ثانى فى بعثة الأمم المتحدة فى جنيف كلفه السفير عمران الشافعى رئيس البعثة بالرد على طلب من الرئيس السادات إلى البعثة هناك لبحث فكرة انضمام مصر إلى اتفاقية منع الانتشار النووى.

تذكر البرادعى الموضوع وقال إنه بالفعل كتب مذكرة قال فيها «إنه ليس من مصلحتنا أن ندخل إذا لم تنضم إسرائيل. انضمت مصر وجميع الدول العربية، وبعد ذلك بدأنا نصرخ ودخلنا اتفاقية كامب ديفيد دون أى إشارة إلى الأمن الإقليمى والترسانة الإسرائيلية النووية».

كان هناك إهمال فى الملف النووى المصرى، مواد نووية لا يتم حصرها، آلات لا يتم استخدامها، فقد قمنا بشراء معدات بما قيمته 10 ملايين دولار لم يتم استخدامها على الإطلاق. إهمال، ولم أتكلم مع الرئيس مبارك فى هذا الأمر نهائيا. تركته كاملا لمسئولى جهاز التفتيش فى الوكالة باعتبار أنه يمكن أن يخلق تعارضا فى المصالح، فلم أتطرق إليه، وهو الآن فى طريقه إلى الانتهاء بالكامل وذلك نتيجة مجموعة من عناصر «الإهمال» «والحداقة» المصرية، وعدم الانضباط، كان من المفترض أن يتم إخطارنا بالمواد النووية التى لديه، ولكن لم يتم، وهذا هو نوع من عدم الانضباط مثل أى مؤسسة حكومية مصرية.

وأشار إلى أن هناك أكثر من دولة عربية طلبت منى أن أكون لهم مستشارا لها. لدى بعضها برامج للطاقة النووية، والإمارات أكثرهم، فهى تستورد فى الوقت الحالى الموارد البشرية من أمريكا وفرنسا، وأرسلت دفعات للتدريب فى الخارج، وهكذا فعلت البحرين وقطر والأردن.

السادات في القدس

كان لابد أن يعود الحوار إلى أعوام السبعينيات حين كان البرادعى يقتسم غرفة فى مكتب الوزير إسماعيل فهمى مع عمرو موسى. أعرف أن البرادعى مدين لإسماعيل فهمى بالكثير خاصة إذا عرفنا أن الوزير كان قبل عودته إلى الديوان العام كثير التردد على مقر الأمم المتحدة فى النمسا وكثير التنقل بين فيينا ونيويورك ومشهود له بالخبرة الدبلوماسية الرفيعة.

قال البرادعى فى هذا الشأن «عندما قرر الرئيس السادات زيارة القدس كنت أقرب مساعد للوزير فهمى. والسادات لم يكن يحكى لإسماعيل فهمى تفاصيل ما يحدث، ولما حصل ما حصل، فوجئنا فى مجلس الشعب، إنه كان يريد أن يعقد اجتماعا للدول الخمس فى القدس، قال ذلك فى رومانيا. قلنا له إن هذا ليس الوقت المناسب لذلك، وحين عدنا إلى مصر، دون أن يقول لأحد، قال: أنا مستعد أن أعقد اجتماعا فى القدس، وكان من المفترض أن يذهب إلى سوريا اليوم التالى ومعه إسماعيل فهمى، وبعد ما أخذنا حقائبنا إلى الطائرة، ذهب السادات فى اليوم التالى إلى سوريا، مما أثار غضب فهمى، وقرر أن يستقيل وأنا أيدته فى القرار، ليس لأننا نعارض السلام، ولكن لأنه كان من ضمن الشروط أن تدفع بالكامل قبل أن تأخذ أى شىء نهائى، وهذا لم يكن أسلوبا سليما. وكتب فهمى استقالته وأنا الذى أخذتها وسلمتها حينئذ إلى النائب حسنى مبارك لأن السادات كان فى سوريا.

الإخوان المسلمين

أستأنفنا الحوار بالدور المهم الذى يلعبه الإخوان المسلمين فى الساحة السياسية المصرية وما إذا كان للبرادعى علاقة بهم ورأيه فى دورهم

قال: أنا لا أعرف عنهم الكثير، ولا أعتقد أن أحدا يعترض على وجودهم فى الساحة طالما كانوا مستعدين أن يعملوا فى إطار شرعية دستورية بمعنى أن يعملوا فى إطار سلمى منظم، وفى إطار تطور الدولة على أساس ديمقراطية عصرية ودولة قائمة على قاعدة أن هناك أغلبية مسلمة، وأن هناك أقلية قبطية يجب أن نحترمها وإن الدين لله والوطن للجميع، هم جزء كبير من هذا الشعب، ولا أستطيع أن أحظر عليهم العمل ويجب أن يعملوا فى إطار الدستورية الشرعية.

هناك تناقض فى الدستور، وأنا قد ذكرته من قبل، فالدستور يقول إن الدولة دينها الإسلام، أنا ذكرت أن غالبية مصر دينها هو الإسلام، ولكن الدولة ليس لها دين، فوزارة الصحة ليس لها دين، وزارة الصناعة ليست مسلمة. الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى، هناك بعض المشكلات، التى لم ننجح فى حلها حتى الآن، ومنها علاقة الدين بالدولة، ليست فقط فى مصر، وإنما فى العالم العربى ككل.

هناك آية قرآنية تقول: «فليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه» سورة المائدة، القرآن هنا لا يسمح لأهل الدين بالتمسك فقط بدينهم وإنما بالبقاء على أحكامه، نحن للأسف لا نقرأ الدين ولا نفهمه.

المسلم مثله مثل القبطى كلنا لنا نصيب فى هذا الوطن، كلنا يجب أن نشارك فيه، طالما نحن نعمل فى إطار سلمى، وطالما نحن نعمل بالحجة، وطالما نحن نحاول أن نصل فى نهاية المطاف إلى قضية مشتركة، وإلا سنتنافر، لا يوجد أحد فى مصر لا يحب بلده ولا يريد مصلحة بلده، بل كل واحد له رأيه وأنا أحترمه.

أما عن الدعوات الواضحة للتغيير والأجيال المتحمسة له فأنا أدعو الشباب والصغار وكبار السن أن يعملوا فى السياسة فهى ليست رفاهية، بل هى أسلوب حياة، معناه أننى أبحث دائما عما يكفل لى حياة أفضل، ولذلك أستغرب من يقول إن الجامعات يجب ألا تشارك فى السياسة، هذا كلام غير عقلانى فالسياسة جزء من الحياة.

أرحب بهذه المبادرات، لأنى أقدر العمل السلمى من أجل تغيير الدستور.

الدبلوماسية المصرية

كان لابد أن نستمع إلى رأى البرادعى فى السياسة الخارجية المصرية الراهنة ومكانة مصر الدولية، وكيفية استعادة دور مصر وتطور الدبلوماسية المصرية. تحدثنا عن النشاط المتزايد لكل من تركيا وإيران وإسرائيل فى المنطقة وانحسار الأدوار العربية كافة وانكشاف فراغ مخيف فى العالم العربي.

قال البرادعى إن الأمن المصرى القومى لن يتحقق فى إطار العالم القائم على التجمعات الكبيرة، إلا فى إطار عربى. اليوم كدول عربية أصبحنا أعداء أنفسنا، كلما أنظر أجد نصف العالم العربى فى حروب أهلية أو فى حروب مع بعضهم البعض.

الملك عبدالله بن عبدالعزيز قال فى قمة الرياض إن المشكلة الأساسية أن الأنظمة العربية فقدت مصداقيتها، وأنا قلت له سأستمر فى ترديد ما قلته، وقلت الكلمة الصحيحة. إذن نتيجة أن مصر غابت عن المجتمع العربى لمدة عشر سنوات، وحدثت تغييرات كثيرة فى هذه الفترة، وحدثت حساسيات، وهناك دول سارت فى طريق مختلف. العالم العربى لن يقوم إلا إذا قامت مصر، ومصر لن تقوم إلا إذا قامت بالتضامن مع العالم العربى. مشكلتنا أننا لسنا جزءا وثيقا من العالم العربى أو الإسلامى، وبالتالى ينعكس ذلك على قدراتى. لدينا رصيد لا شك فيه، أنظر إلى إيران وأتساءل: لماذا تتم معاملتها بطريقة مختلفة، تأتى الإجابة على الفور لأن لديها ما تعطيه سلبا وإيجابا، أنا ليس لدى هذا.

****

وانتقل الحديث إلى مستقبل البرادعى فى العمل السياسى فى حال لم يترشح، قال نعم بالطبع سأستمر فى الحديث، أنا عندى مصداقية عالمية، وسأستغلها لخدمة الشعب المصرى، وسأستمر فى هذا الكلام طوال حياتى لأن ما أنطق به الآن لا ينبع من رغبة أو دافع شخصى على الإطلاق، وإنما ينبع من قناعة أن شعب مصر يستحق عشرات المرات أفضل مما هو فيه الآن. دول مثل كوريا الجنوبية وإسبانيا واليونان، فى الستينيات كان الدخل الخاص بها مثل مصر. الآن كوريا الجنوبية ترتيبها الإنسانى 25، إسبانيا 15، اليونان 24. فى الستينيات كان اليونانيون يعملون فى الإسكندرية، لأنهم لا يجدون فرصة عمل فى بلدهم، وكانت مصر بالنسبة لهم سوقا واسعة.

أصبحوا الآن أحسن منا حالا بكثير، وهم لا يملكون موارد ولا أى شىء.

نهاية الجزء الثاني
………………………………………………….

الجزء الثالث من الحوار
لم يكن البرادعى متحمسا لفكرة الرد على ما ورد على لسان أو بأقلام إعلاميين وسياسيين فى الحزب الحاكم أو خارجه بغرض الإساءة إليه.
رأيه أنه لا يعتبر نفسه فى موقع الدفاع، بل العكس تماما، ولديه أسبابه وحججه، وأولها التشجيع الذى أبداه عدد كبير من قيادات الأدب والثقافة فى مصر والتفاف تيارات سياسية وشعبية حوله وحول ما ينادى به أو يدعو إليه.
تأكيدا لحجته من دون قصد أو ترتيب مسبق، وقعت منافسة دافئة وراقية بين ثلاثة شبان كانوا يتسابقون على خدمة المائدة التى جلسنا إليها نتناول عشاءنا ليلة وصولى إلى فيينا.
منذ لحظة دخولنا المطعم، رأيتهم يندفعون نحوه يساعدونه فى خلع البالطو والكوفية وثلاثتهم يتحدثون فى آن واحد عن سعادتهم بأنه قرر زيارة المطعم الذى يعملون به هذه الليلة. قال كل منهم بلهجته الخاصة إنه يتابع تصريحاته عن الديمقراطية وحرية الانتخاب وحرية المواطن، وأقول بلهجتم الخاصة، لأن واحدا منهم كان من الجزائر والثانى من تونس والثالث من مصر. التفوا جميعا حوله طوال السهرة، ولم يتركونا إلا للحظات يعودون بها مكررين على أسماعنا كيف أنه صار محور حديث المجموعة
العربية العاملة فى هذا المقهى وفروعه المنتشرة فى أحياء أخرى من فيينا
.

***
قال خلال المقابلة إن المشكلة ليست فى أن البعض افترى كذبا وليس هذا ما أقلقه، ما أقلقه بل وأفزعه أن هذه الأكاذيب جاءت لتؤكد له عمق الانهيار الذى أصاب منظومة القيم فى بلادنا، وأضاف: «إن الشىء الأساسى الذى اختل بشكل واضح عندنا هو القيم الأساسية. أصبح الدين طقوسا وليس جوهرا».

كلنا نشأنا، «مسيحى أو مسلم»، على القيم المشتركة، الصدق، الأمانة، تقديس العمل، السماحة، التضامن الاجتماعى، المحبة، هذا كان الإسلام، لم تكن لدينا قيادة دينية تتكلم عن إرضاع الكبير، فى نفس الوقت كانت تكرمنى ملكة هولندا، ويجلس إلى جوارى عالم كبير، نصر حامد أبوزيد، اضطر إلى الخروج من مصر لأن القضاء دخل إلى قلبه ووجد أنه ليس مسلما، وغادر البلاد. هذه كارثة.
«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»، هذا هو الإسلام كما نعرفه، «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، هذا هو القرآن يوصيك بالكفار، فما بالك بالمؤمنين؟

لقد حولنا الدين إلى طقوس وفصلنا أنفسنا عن القيم وعن بقية العالم، اليوم حين يكون رجل مسلم اسمه محمد أو أحمد أو على، فهو يتجنب ذكر اسمه، يتعين عليه أن يقول أنا لا أنتمى إلى الجماعة الإرهابية. أصبح الجميع ينظر إلينا نظرة ريبة وشك، لماذا؟ لأن العالم كله يرى صورة الإرهابيين ملثمين ويبررون أعمالهم بالإسلام، ويحتاج الأمر منك إلى سنوات بعد ثبات هذه الصورة فى أذهانهم لكى توضح لهم صورتك، وأن تثبت أن ليس كل المسلمين إرهابيين.
والدى كان رجلا متدينا، يصلى ويصوم، الإسلام كان بالنسبة لنا فى البيت محبة وتسامحا وقدوة، تعلمنا كيف نتعامل مع الفقير، كان لوالدى أصدقاء فى سيدنا الحسين، منهم تاجر مينى فاتورة، صداقات عمر، صداقات طفولة، ما شعر يوما بالتعالى على هؤلاء، كان دائما يجتمع معهم فى محل واحد منهم ويذهبون لصلاة الجمعة أسبوعيا. منهم الأطباء ومنهم أصحاب المحال ومنهم التجار البسطاء، هذا هو الإسلام.

قاطعته لأسأله عن حقيقة قصة والده مع الرئيس السادات؟

فقال كانوا يقومون بوضع الميثاق القومى، وكان السادات رئيس مجلس الشعب حينئذ، وطلب والدى الكلمة ليقول إن مصر لابد أن تسير نحو نظام ديمقراطى متعدد الأحزاب يضمن حرية الصحافة، والسادت قاله له، السيد العضو مدتك قد انتهت، فرد عليه أنه لم ينته بعد من كلامه، فرفض مكررا أن مدته انتهت، وكان رد والده: «أود أن أسجل أننى انتزعت من هذا المقعد انتزاعا».
إذن منذ 49 سنة نحن نتحدث فى نفس الكلام، مازلنا نطالب بما كنا نطالب به من عقود، وهى حريتنا كشعب، فنحن لا نطالب بالكثير ولا القليل، نحن فقط نطالب بحريتنا كشعب.
فأنا أتذكر، أن بعد قصة والدى مع السادات، كان كثير من أفراد الشعب المصرى يخاف أن يسلم عليه. وكان كثير من الناس تخاف أن يكون هو المحامى الخاص بهم، أنا عاصرت كل هذه الأمور ورأيت يؤثر النظام البوليسى فى الشخص.

الجنسية السويدية

انتقل البرادعى تحت الإلحاح إلى الحديث عن اتهامه بالحصول على الجنسية السويدية؟
قال: «اتهمونى وقالوا ليثبت لنا أنه لا يملك الجنسية السويدية، تخيل أن أحدا يقول لك إنك رجل مجرم وبدون أن يكون معه قرائن على ذلك، يطلب منك أن تثبت له أنك لست مجرما، هذه قضايا سب وقذف.
لم يحدث فى أى وقت أن كان لدى أى جنسية غير المصرية، شنعوا فقالوا إننى كنت الأخير على دفعتى، هذا كذب، فأنا كنت التاسع على 34.
أما حكايتى مع العراق، فكان ردى عليهم ما جاء فى الوثائق الدامغة التى بعثت بها إليكم فى «الشروق» هؤلاء لا يقرأون الصحف الأجنبية، لا يعرفون ما كتبته الجرائد حين حصلت على جائزة نوبل، كتبت أن الجائزة كانت ركلة فى ساق بوش، لأنه تحداه فى موضوع العراق.
أنا أتصور أننى منعت الحرب فى إيران، لأن أمريكا حين أعلنت أن إيران لديها برنامج نووى قلت حينئذ «نحن لا نملك الوثائق التى تثبت ذلك.

****
كان البرادعى حريصا على امتداد اللقاء الذى سبق إجراء الحوار وخلال الحوار على ألا يذيع سرا عن عمله كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إذ إن أكثر ما فى جعبته يتعلق بقضايا تقع تحت عنوان الأمن القومى لدول كثيرة، أو لمفاوضات حول مسائل استراتيجية خطيرة. ولذلك كان حذرا عندما عرضت عليه الإفصاح عن مزيد من المعلومات عن علاقته بكل من إيران والولايات المتحدة، بخاصة فى المراحل الأخيرة.
استجاب بقوله: «ما لا يعرفه الكثيرون فى مصر وخارج مصر أننى كنت الوسيط بين إيران وبين أوباما فى محاولة عقد اتفاق، لأننى من الأشخاص القلائل الذين يتمتعون بالمصداقية من قبل الولايات المتحدة وإيران». تعودت أن أعمل بحيادية، أحاول دائما أن أضع الحقيقة على المائدة لأتوصل إلى الحل السليم.

أدعو كل الذين هاجمونى عن دون علم أو معرفة بالذهاب إلى الانترنت ويتصفحون ويقرأون، الإيرانيون أنفسهم يقولون نحن نقدر ونحترم البرادعى، وهذا هو رأى الإدارة الأمريكية الجديدة فى نفس الوقت، ليست القديمة، فالقديمة كانت تحارب ترشيحى لفترة ثالثة، ولدى برقيات كان يرسلها لى أصدقائى من داخل الخارجية الأمريكية تحمل توجيهات من الإدارة القديمة بالتصويت ضدى.

علاقاتي بالعالم

ومن الاتهامات التى وجهها بعض من كتبوا فى أعقاب إعلانه رغبته فى الترشيح لمنصب الرئاسة الاتهام بأنه تجاسر وأعلن عن هذه الرغبة، وهو الذى لم يعمل بالسياسة، وبالتالى ليس مؤهلا للمنصب؟

يرد البرادعى بهدوء وثقة فى النفس قائلا: «لقد قابلت كثيرا من رؤساء وملوك العالم أوباما وشيراك وساركوزى، وتربطنى علاقات برؤساء أكثر من 50 دولة، هؤلاء لم أكن أتحدث معهم فى التفتيش، وإنما كنا نتكلم عن أدق المشكلات السياسية فى العالم، بالإضافة إلى ذلك فإن نصف عملنا ليس عمليات تفتيش وإنما تنمية».

أنا كنت أعمل فى المنظمة مع موظفين من 100 دولة، وأعمل مع أكثر من 150 دولة، وتوصلنا إلى إيجاد ما يسمى بأسلوب المساومة فوق العادة، وحين فزت بجائزة نوبل قيل عنى «المحامى الذى لا يخاف»، أنت لكى تتعامل مع 150 دولة مصالحها متعارضة، ولكى تشغل هذا المنصب يجب أن يكون لديك القدرة على تفهم مصالح كل دولة، ماذا تريد، قدرتك على أن تحقق توافقا، قدرتك أن تنظر إلى الصورة الشاملة، وماذا فى الإمكان وما ليس فى الإمكان.
***
لم يعرف البرادعى أنى التقيت زملاء له فى وكالة الطاقة وفى مؤسسات دولية أخرى قبل أن نعقد جلستنا الأولى فى فيينا، من هؤلاء سمعت عنه الكثير واخترت منه جانبا يتعلق بأسلوب قيادته للوكالة. اخترت ما قيل عن أن له «فراسة» فى الناس، يستطيع أن يقدر ويحكم على الشخصيات بسرعة ولكن بدقة بحيث لا يضطر إلى استخدام مساعدين ليسوا أكفاء أو على مستوى غير طيب من الأخلاق.

سمع البرادعى ما نقلته له عن زملائه
فقال: «دائما أكرر أننى لم أكن أصل إلى ما أنا عليه الآن دون مساندة كل شخص، وهذا لا يمكن أن يصل إليه من غير أن يكون معه فريق عمل جيد، يتميز بمبادئ معينة». مازالت عندنا مشكلة فى العالم العربى، عندنا «الزعيم»، وهذه الكلمة اختفت من قاموس السياسة، العالم الآن يتحدث عن فريق عمل يشتغل سويا ولا يوجد كلمة الزعيم.

كذلك فرض منصبى علىّ سرعة اتخاذ القرار. كنت أتعرض كثيرا لمواقف يتعين أن أحدد على الفور ما هى الأشياء الهامشية وما يجب أن أركز عليه، كيف أشجع أعضاء الفرق الخاصة لكى يعملوا وأشجعهم قدوة وليس بالخوف.

فى نفس الوقت، هناك الثواب والعقاب، من يجيد تتم مكافأته ومن يخطئ يتعرض للعقاب، إدارة الدولة مثل إدارة المنظمة، فهى تقوم فى الأساس على فن الإدارة والقيادة. المشكلات قد تختلف، وإنما الأسلوب واضح.

أحوال مصر الآن

بدا مستعدا بالوثائق والإحصاءات والتقارير المصرية والدولية لحوار مطول عن الأمة المصرية فى حالها الراهن
.

تحدث فأفاض: «عندما يقولون إننا لا نعرف مشكلاتنا، هذا غير صحيح، لأنه يكفى للشخص أن يضع قدمه فى مصر لمدة خمس دقائق ليعرف بعض أهم مشكلات مصر. لدينا 42٪ من الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر المدقع، أى تحت دولار يوميا، ووفقا لتقارير البنك الدولى، هناك شبه الفقير والفقير، 42٪ من الشعب المصرى لم يصل به الحظ أن يصعد إلى مستوى الفقر الموجود فى العالم، وهو أن يكون من ضمن ثلث البشرية الذين يعيشون على دولارين فى اليوم، مصر بها 42٪ من سكانها يعيشون فى الفقر الذى يعيش فيه المليار الأكثر فقرا فى العالم».

التعليم غير موجود فى مصر، التعليم الذى تستطيع من خلاله أن تنافس فى التنمية الاقتصادية غير موجود. فى تقرير التنافسية الدولية كان ترتيب مصر الـ70 نتيجة عدم كفاءة القوى العاملة فى مصر، وفى نوعية التعليم فى الحساب والعلم 128 من 134، وفى نوعية نظام التعليم 126 من 134، إذا كنا نريد أن نتنافس فلن نستطيع ونحن على هذا الوضع مقارنة بالإمارات التى تحتل المركز الـ23.

وفى تقرير التنمية البشرية الذى يقر بحق الإنسان فى صحة جيدة وأن يكون متعلما، وله دخل معقول، ترتيبنا نزل من 122 إلى 123، ووفقا لتقرير الشفافية ترتيبنا 111 بما يعنى حالة فساد هائل.

عمليا نحن لن نستطيع أن نسير إلى الأمام دون التغلب على الفقر فالفقر هو أقوى أسلحة الدمار الشامل، وهو مرتبط بغياب الحكم الرشيد وبالعنف وبالتهميش وبالحروب الأهلية. لذلك إذا كنت أريد أن أبدأ، يجب أن أبدأ بعلاج المشكلة الأساسية وهى الفقر. وهذا لن يتأتى إلا بالتعليم، والحكومة تصرف على التعليم ما لا يزيد على 4٪ من إجمالى الناتج المحلى. فى الوقت نفسه

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا