حول خطاب الرئيس لتقرير مصير الحكم فى مصر

حول خطاب الرئيس لتقرير مصير الحكم فى مصر
1٬750

[b]بقلم اسلام أحمد[/b]

اخيرا ولأول مرة حسم الرئيس مبارك الجدل الدائر منذ سنوات حول مصير الحكم فى مصر اذ اعلن فى خطاب تاريخي مساء يوم الثلاثاء الموافق الأول من فبراير 2011 , انه لن يترشح لفترة رئاسة مقبلة وأنه لم يكن ينوي الترشح من الاساس , لينهي بذلك مسلسل كبير من الجدل استمر لسنوات حول من مرشح الحزب الوطني القادم هل مبارك الاب ام مبارك الابن؟! , وهو خبر جيد كان بامكاني ان اسعد به لو انه اتى فى ظروف مغايرة! , ولكنه اتى نتيجة ضغط شعبي رهيب كاد ان يخلع مبارك نفسه من فوق مقعد رئاسة الحكم! , بمعنى اخر ان قرار الرئيس مبارك لعدم الترشح لفترة رئاسة مقبلة لم يتم اختيارا وانما اجبر هو ونجله جمال على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة القادمة

كنت قد توقعت في المقال الماضي ان الرئيس مبارك سوف يتنحى عن الحكم تاركا الامور تؤول بشكل طبيعي الى السيد عمر سليمان حقنا للدماء من جهة وطمأنة لاسرائيل والولايات المتحدة من جهة اخرى , ولكن يبدو أننى كنت واهما فقد خذلنى الرئيس مبارك ولم يكن عند حسن ظني به اذ أعلن أنه باق فى السلطة الى ان تنتهي فترة ولايته الحالية

قى الواقع لقد جاء خطاب الرئيس مبارك فى منتهى الذكاء اذ لأول مرة منذ بدء الازمة يوم 25 يناير يتصرف النظام الحكام بذكاء ذلك أنه بوسع اى باحث سياسى ان يدرك بسهولة من خلال الخطاب ان الرئيس كان يراهن على طيبة الشعب المصرى ويلعب على مشاعر البسطاء اذ بدا هذا واضحا من خلال عبارات مثل : “عشت وسأموت على هذه الارض” مذكرا الشعب المصرى بما حققه من انجازات طوال فترة حكمه , وقال ايضا :”ان الوطن باق والاشخاص زائلون” فى اشارة لكبر سنه , كما وعد انه سيعمل جاهدا خلال ما تبقى له من فترة رئاسته على اعادة الامن والاستقرار الى ربوع البلاد حتى يتم الانتقال السلمي للسلطة , وتوجه بالكلام الى الشرطة واعدا الشعب بأن تكون الشرطة فى خدمته وان تحسن معاملته , بيد ان اهم ما جاء بالخطاب هو الاستجابة لبعض مطالب الجماهير حيث امر الرئيس مبارك القضاء بالتحقيق فى الطعون المقدمة ضد مجلس الشعب الحالي , كما امر مجلس الشعب بالبحث فى تعديل المادتين 76 و77 , ليس هذا فحسب بل وطالب الرئيس بقتح حوار مع المعارضة والقوى السياسية حول كافة القضايا المثارة وصولا لمرحلة انتقالية تمهد لنظام ديمقراطي واحال ملف الحوار الى نائبه السيد عمر سليمان

فى الحقيقة لقد تلقيت خطاب الرئيس مبارك بسخط هائل إذ فضلا عن خذلانه لى فيما يتعلق بتنحيه عن السلطة فان ما جاء بالخطاب كان دون مستوى توقعاتى وذلك من جهتين :

الاولى كنت اتمنى من الرئيس مبارك ان يأمر بحل مجلس الشعب الحالي لأنه مزور

الثانية وهى النقطة التى اثارتنى بشدة أنه احال مسألة تعديل المادتين 76 و77 الى مجلس الشعب ولم يطلب تعديل المادة 88 التى تنص على الاشراف القضائي , ما يعنى ان الجهة التى ستقوم بتعديل الدستور هو مجلس الشعب الذى أغلبيته حزب وطني , وحتى لو تم التحقيق في الطعون المقدمة وهى حوالي 150 تحقيق فستكون الأغلبية ايضا حزب وطني , وفي حالة تعديل المادتين 76 و77 فانه بذلك قد فتح الباب امام المستقلين دون قيود تعسفية , الذى كان موصدا بحاجز المادة 76 , كما انه قد قيد فترة الرئاسة بتعديل المادة 77 ولكن عدم تعديل المادة 88 تعنى ان انتخابات الرئاسة ستتم بلا اشراف قضائي ومن ثم فان الباب مفتوح امام التزوير أى اننا صرنا ندور فى حلقة مفرغة لا طائل منها

تنوعت ردود الفعل على خطاب الرئيس مبارك واثارت جدلا بشكل كبير ويمكن تلخيصها في فريقين :

الاول المؤيد لخطاب الرئيس مبارك ويضم انصاره من اعضاء الحزب الوطنى بالاضافة الى جماهير البسطاء الذين الهب الخطاب مشاعرهم وتعاطفوا مع الرئيس مبارك وهم قطاع كبير من المصريين وقد لمست بنفسي تفاعل كثير من الناس مع خطاب الرئيس وتأييدهم له , فضلا عن عدد كبير من المعارضة ممن رضوا بما قدمه الرئيس من تنازلات

الفريق الثاني وهو المعارض لخطاب الرئيس ويضم النخبة من المعارضة الذين فهموا ان خطاب الرئيس فى ظاهره الاستجابة لمطالب المعارضة بينما فى واقع الامر يحمل فى طياته محاولة للالتفاف حول مطالب التغيير الأساسية

اشرت فى المقال السابق الى ان رد فعل الولايات المتحدة تجاه ما يحدث فى مصر اتسم بالغموض والتردد غير ان الامر تغير اثر خطاب الرئيس الاخير اذ اعلنت الولايات المتحدة على لسان المتحدث باسم البيت الابيض وكذلك اعلن المجتمع الدولي ان الانتقال السلمي للسلطة فى مصر يجب ان يتم الان وفورا وليس فى سبتمبر! , فى تطور خطير للموقف الامريكي , وهو انما يؤكد ان الولايات المتحدة ادركت ان وجود الرئيس مبارك فوق سدة الحكم بات يمثل العقبة الاساسية امام استقرار مصر ويهدد بالتالى مصالحها فى المنطقة ومن ثم فانه يتعين تغييره!

المضحك هو رد فعل رؤساء الاحزاب (الوفد والتجمع والناصري والغد) وغيرهم , اذ بعد ان اعلنوا رفضهم للحوار لعدم شرعية الرئيس مبارك بعد ان قام الشعب باسقاط شرعيته فانهم اعلنوا فى اليوم التالى اثر خطاب الرئيس مبارك عن رغبتهم ببدء الحوار مع السيد عمر سليمان! , فى تناقض صارخ للمواقف! صار معتادا من قبل هؤلاء الذين يحاولون استغلال الظرف الراهن وركوب موجة التغيير لتحقيق اكبر مكاسب ممكنة!

توقعت اثر خطاب الرئيس ان تشتعل ثورة المصريين مرة اخرى فى القاهرة والمحافظات غير ان النتيجة كانت فوق توقعاتى اذ لم يقتصر الامر على تظاهرات الشباب المناهض للرئيس مبارك بل لقد قام الحزب الوطني بتنظيم مظاهرات حاشدة تؤيد الرئيس مبارك وتدعوه للبقاء فى السلطة , فضلا عن الناس الذين خرجوا بشكل تلقائي تعاطفا مع الرئيس مبارك وهم عدد كبير لا يستهان به , بيد ان اخطر ما فى الامر هو اندساس عناصر من البلطجية والمجرمين بين انصار مبارك قاموا بالاشتباك مع المتظاهرين ضد مبارك فى ميدان التحرير وتحول الموقف الى حرب بينهما , حيث تراشقا بالحجارة واشتبكا بالايدي فضلا عن استخدام انصار مبارك للأسلحة البيضاء والنارية وقنابل المولوتوف! , ليس هذا فحسب وانما فوجئنا ايضا ببعض انصار مبارك يركبون خيول وجمال يطاردون بها الشباب المعتصم فى ميدان التحرير ويضربوهم بالأسلحة البيضاء! , فى تصرف حقير من جانب النظام الحاكم , حدث ذلك وسط غياب الأمن وصمت القوات المسلحة التى اعلنت من قبل انها لن تستخدم القوة مطلقا ضد الجماهير!

وفى اعتقادي ان النظام الحاكم قد نفذ صبره من المعتصمين والمتظاهرين فى ميدان التحرير! بعد ان جرب خيار الانسحاب الامنى ولم يجدي , فلم يجد امامه سوى تلك الطريقة القذرة وهى العنف لتفريق المعتصمين! , وهى بالمناسبة ليست ببدعة على النظام وانما اعتاد هذا النظام على استخدام تلك الأساليب والوسائل القذرة المتمثلة فى تأجير بلطجية للقيام بفض الاعتصامات والتظاهرات وليس ببعيد ما حدث بجامعة عين شمس تجاه أساتذة حركة 9 مارس

ولأن الرئيس مبارك لم يتنحي عن الحكم ولم يستجب لمطالب التغيير الأساسية , ولأن المعتصمين لن يرحلوا الا برحيل مبارك فاتوقع ان تزداد التظاهرات فى الفترة المقبلة , اخشى ان تتحول الى ثورة اخرى يوم الجمعة المقبل وفى تلك الحالة فانها لن تكون بين الشعب المصرى والامن كما كانت فى الجمعة السابقة وانما ستكون بين المصريين وبعضهم البعض ما يعني ان البلد تتجه الى الهاوية!

واكرر ان الحل فى رأيي يكمن فى رحيل الرئيس مبارك او على اقل تقدير الاستجابة لمطالب المعارضة الأساسية

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا