دراسة بريطانية ترصد الأوضاع فى مصر: بلد فى قبضة «المجهول»

دراسة بريطانية ترصد الأوضاع فى مصر: بلد فى قبضة «المجهول»
542

واحدة من الدراسات المهمة عن الأوضاع فى مصر الآن، كتبها آدم شاتس فى مجلة لندن ريفيو أوف بوكس معلقا ومحللا للأوضاع السياسية فى مصر.. المجلة،

كما يوحى اسمها، بريطانية، تصدر منذ ١٩٧٩ كل أسبوعين، وتعد واحدة من أكثر المجلات الثقافية رصانة وانتشارا فى بريطانيا وأوروبا، وتعنى بنشر المقالات الفكرية والأدبية الرصينة بالإنجليزية بأقلام الكتاب والأكاديميين والصحفيين البارزين، إلى جانب عروض موسعة للكتب الجديدة، ومقالات نقدية قصيرة فى الفن والسينما، وهى تقدم فى كل عدد تنويعة من الموضوعات السياسية والاجتماعية والأدبية والتاريخية.

 

آدم شاتس كاتب هذه الدراسة هو مدير تحرير فى لندن ريفيو أوف بوكس، ورئيس سابق للقسم الأدبى فى ذى نايشن الأمريكية، وعمل من قبل فى ملحق الكتب بنيويورك تايمز ولينجوا فرانسا وذى نيويوركر الشهرية الأمريكية، وهو محرر كتاب «رفض الأنبياء: قرن من الكتابات اليهودية المعارضة للصهيونية وإسرائيل» (الصادر عن نايشن بوكس)، و

عمل مراسلا لنيويورك ريفيو أوف بوكس من لبنان والجزائر، وساهم فى العديد من المقالات فى السياسة والموسيقى والثقافة فى مطبوعات أخرى. على خلاف المقالات السريعة فى الصحف اليومية التى يميل مراسلها إلى التقاط خيط من معارض أو باحث مصرى ويطوره تبدو مقالة شاتس أكثر شمولية، حيث يتوقف عند مشاهد ووقائع رمزية ذات دلالة مفصلية فى مجمل الصورة التى يضفرها معا.. بالإضافة إلى عمق التحليل تمثل المقالة- ربما- نموذجا للتحقيقات السياسية المثيرة للتأمل.. بعد القراءة!

فى ٦ أكتوبر ١٩٨١، حضر الرئيس الراحل أنور السادات عرضا عسكريا احتفالا بالذكرى السنوية لعبور قناة السويس فى حرب ١٩٧٣ مع إسرائيل، كان العرض مناسبة أيضا لاستعراض الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية التى حصلت عليها مصر مؤخرا: كرمز على التقارب مع الغرب بعد أن ظلت مصر أكثر من عقدين حليفا للاتحاد السوفيتى،

وكان السادات يرتدى بذلة عسكرية على النمط الألمانى البروسى لكنه لم يكن يرتدى القميص الواقى من الرصاص: فقد كان يخشى أن يبدو فى مظهر ضعيف، وكانت التكهنات عن مؤامرة لاغتياله منتشرة، حتى إن نائبه حسنى مبارك حذره من حضور العرض العسكرى لكنه رفض، وعندما وقف لتلقى تحية عدد من الجنود نزلوا من عربتهم ليقتلوا السادات بوابل من القنابل والرصاص.

وبعد ثمانية أيام صعد حاكم جديد مازال حتى الآن فى السلطة.. حسنى مبارك لم يكن خليفته المتوقع: كان تعيينه فى منصب نائب الرئيس عام ١٩٧٥ مفاجأة للمراقبين السياسيين.. فهو مجرد ضابط متميز، لم يكن مثلهما عضوا فى تنظيم الضباط الأحرار، لكنه كان يخدم الدولة بإخلاص،

وقاد الضربة الجوية التى سمحت للقوات البرية بالعبور إلى سيناء، وقد اعترف عند توليه الرئاسة بنقص خبرته السياسية، وتعهد بطلب المشورة، وجعل الفترات الرئاسية محدودة، الآن يبلغ ٨٢ عاما ومازال يحكم مصر منذ ٢٩ عاما، ومن المقرر إجراء انتخابات رئاسية جديدة العام المقبل، لكن مبارك قال إنه سيعمل «حتى آخر نفس فى صدره، وآخر نبضة فى قلبه»، والمرجح أن يفى بهذا الوعد.

لم تكن مصر دولة ديمقراطية على الإطلاق، بل سيطر الجيش دائما على حياتها السياسية، حتى فى عهد الليبرالية الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى عندما كان فى مصر حياة برلمانية نابضة، كانت سلطة الاحتلال البريطانى تقلص من السيادة الشعبية، وبسبب ثورة يوليو ١٩٥٢ خضعت مصر لحكم الديكتاتورية العسكرية، رغم أن سياسة التعدد الحزبى فى أواخر السبعينيات منحته قدرا من التنوع الشكلى..

وكانت أخطاء عبدالناصر مذهلة: فشل الوحدة مع سوريا، والتدخل فى حرب اليمن، وهزيمة ١٩٦٧ الكارثية، وإنشاء قطاع عام غير كفء لا تستطيع الدولة تحمل خسائره، وقمع المعارضة، بل وقمع السياسة نفسها، لكن عبدالناصر حقق إنجازات أيضا.. نفذ الإصلاح الزراعى، وأمم قناة السويس وبنى السد العالى، وجعل من مصر قوة رئيسية فى حركة عدم الانحياز،

وكان إذا تحدث وقف العالم العربى كله ينصت إليه، أما السادات فقد اختلف مع رؤية ناصر للقومية العربية، ودفع بأجندة «مصر أولا» التى أدت فى نهاية المطاف لوقوع البلاد فى أحضان الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكنه كان أيضا رجل دولة كبيراً يتمتع بقدرة هائلة على أخذ زمام المبادرة، بقيادته لانتصار أكتوبر ١٩٧٣، الذى أزال عار الهزيمة، وتمكن من استعادة سيناء، ورغم أن اتفاقية السلام مع إسرائيل أثارت غضب العرب، تمكن السادات من جعل مصر لاعبا مهما فى العالم،

ولكن بعد ذلك شهدت مصر (أم الدنيا) تراجع نفوذها، وفى القاهرة التى تحول كثير من ضواحيها إلى أحياء عشوائية فقيرة يتجلى بوضوح أكثر من أى مكان آخر إحساس طاغ بتراجع العالم العربى، فى تلك المدينة الضخمة تواجه صعوبة فى التنفس لشدة كثافة الهواء نتيجة التلوث، فالغلاف الجوى خانق بالضبط مثل الحياة السياسية.

لا يحتاج المصريون إلى كثير من الجهد للتعبير عن مشاعر الإحباط واليأس والانكسار.. فمصر لم يحدث فيها تطور إيجابى منذ سنوات، بل تراجعت كقيادة إقليمية وراء السعودية- ناهيك عن دول غير عربية مثل تركيا وإيران- وحتى قطر الصغيرة لديها سياسة خارجية أكثر استقلالا، ومصر أكبر بلد عربى يعتبرها معظم العرب- والمصريون أنفسهم- دولة عميلة للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعتمدان على القاهرة لضمان «الاستقرار» الإقليمى فى الصراع مع «جبهة المقاومة» بقيادة إيران.

استمرار مبارك فى سياسة تحرير الاقتصاد المصرى جعلت البنك الدولى يشيد بإدارته، والدستور الذى تم تنقيحه من الإشارات إلى الاشتراكية فى ٢٠٠٧، يقول إن «الاقتصاد فى جمهورية مصر العربية يقوم على تنمية روح المبادرة»، لكن السوق فى مصر ليست حرة على الإطلاق: صفقات رجال الأعمال تتم بناء على علاقات خاصة مع الدولة وفى دوائر ضيقة ووفقا لمبدأ المنفعة المتبادلة.

ورغم وعود النظام– وعلى عكس توقعات رعاة مصر فى الغرب- لم يؤد التحرير الاقتصادى إلى نتائج ملموسة على صعيد التحرر السياسى: عندما تبنت مصر عام ١٩٩٢ رؤية صندوق النقد الدولى لحزمة التكيف والاستقرار الهيكلى بدأت فى محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية! أما قانون الطوارئ السارى منذ اغتيال السادات والذى تم تجديده مؤخرا رغم وعد الرئيس بإلغائه، فقد أعطى للحكومة صلاحيات استثنائية لاعتقال معارضيها دون توجيه اتهام واحتجازهم إلى أجل غير مسمى.

أيديولوجية الحزب الوطنى الحاكم شهدت فى السنوات الماضية تحولات ملحوظة فى اتجاهين متناقضين أحيانا، تراجعت وحدة الصف العربى –كما يشير الروائى صنع الله إبراهيم- إلى «وحدة من السلع الأجنبية التى يستهلكها الجميع»، ولم يعد مبارك الضابط الأكثر شعبية على لوحات الإعلانات فى مصر وإنما الكولونيل ساندرز رمز محال كنتاكى فرايد تشيكن، وبينما يتفاخر الحزب الوطنى بالعولمة المتزايدة للاقتصاد وتحقيق نسبة نمو ٧.٥ فى المائة،

يبدو الموقف مختلفا بالنسبة لغالبية السكان: معدلات التضخم ارتفعت منذ تعويم الجنيه فى ٢٠٠٣، ونسبة البطالة الحقيقية أصبحت ٢٦.٣ فى المائة، ولم تحول الإصلاحات مصر إلى «نمر على النيل» كما وعد مبارك، ومازال الاقتصاد يعتمد بشكل غير مستقر على أسعار النفط، والمساعدات الأمريكية (أكثر من ٦٢ مليار دولار منذ عام ١٩٧٧) والسياحة، ومازالت مصر تستورد أكثر من نصف استهلاكها من القمح.

السياسة الخارجية موضوع مؤلم.. السلام الذى توصل إليه السادات مع إسرائيل عام ١٩٧٩ جعل مصر تبدو فى نظر واشنطن دولة «معتدلة»، لكنه أثار توتر المصريين، وتعلم مبارك درسا من مصير السادات: عقد صفقة مع إسرائيل من جانب– ومن جانب آخر محاولة تلطيف عواقبها، أن يحترم معاهدة السلام، لكنه لا يذهب إلى تل أبيب، بكلمات أخرى: لا يجاهر بصداقاته مع إسرائيل حتى لا يجرح كرامة المصريين،

وأن يغض الطرف عن الهجوم العنيف على إسرائيل فى الصحافة، لكى ينفث معارضو «التطبيع» مع تل أبيب غضب المجتمع.. من خلال حفاظه على المظهر فى علاقته بإسرائيل استطاع مبارك إصلاح العلاقات مع جامعة الدول العربية وأعضائها الذين قطعوا علاقاتهم مع مصر وقتها، لكنه أسس شراكة مع إسرائيل فى التجارة بشكل أعمق كثيرا مما كان يمكن أن يتصوره السادات،

فالأجهزة الأمنية فى البلدين تعمل معا بشكل وثيق، ومبارك قدم للسلطة الفلسطينية السلاح ووفر لها التدريب فى مواجهتها مع حماس، والحكومة المصرية تبذل كل ما بوسعها للحفاظ على حصار غزة، حيث تخشى إن هى فتحت معبر رفح أن تغلق إسرائيل جميع نقاط العبور نحو قطاع غزة، للتخلص من الفلسطينيين على حساب مصر التى تعتبر قادة حماس فى غزة حلفاء للإخوان المسلمين خصوم النظام فى الداخل، وإيران وحزب الله خصومه فى الخارج.

النظام المصرى لا يريد أن يتحمل مسؤولية إعاشة أكثر من مليون فلسطينى، ولا أن تتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن أى صاروخ قسام يطلق من غزة على سيدروت.. عندما نسفت حماس فى يناير٢٠٠٨ جزءا من الحاجز الحدودى فى رفح وعبر آلاف الفلسطينيين الحدود إلى مصر، وكان بعض المصريين مقتنعون برؤية مبارك فى «الحفاظ على مصر أولا»، لكن كثيرا منهم غضبوا عندما رفض فتح المعبر أثناء الغزو الإسرائيلى لغزة، ويشك كثيرون فى وجود تواطؤ بين إسرائيل ومصر ضد حماس: فقد بدأت الحرب بعد ٤٨ ساعة من زيارة وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبى ليفنى للقاهرة.

بالإضافة إلى تأمين الحدود فى رفح تبنى مصر حاجزا من الفولاذ لا يمكن اختراقه بعمق ١٨ متراً تحت الأرض، وقد أفادت تقارير مختلفة أن بناءه يتم بمساعدة أمريكية رغم نفى الولايات المتحدة، ولم يرد النظام المصرى لفت الأنظار إلى ما يسميه «إنشاءات هندسية»، حجته الرسمية منع تهريب الأسلحة إلى حماس، لكن الجدار يستهدف خنق اقتصاد غزة الذى يعتمد على الأنفاق، ومع ذلك يصر مبارك: «لا نقبل النقاش حول هذا الموضوع مع أى شخص».

بعد حرب ١٩٦٧ اشتدت وتيرة أسلمة المجتمع المصرى، بل أصبحت سياسة واضحة للحكومة فى عهد السادات، الرئيس المؤمن الذى «دعم الإسلاميين فى معركته مع اليسار، وفى ظل مبارك أصبح التدين ظاهرة يومية كالتسوق أو تشجيع كرة القدم، ويستهدف استخدام الحكومة للدين حاليا صرف الانتباه عن الإحباطات اللامحدودة فى حياة المصريين، وأصبح الخطاب الإسلامى يلبى بشكل متزايد الاحتياجات الاستهلاكية.. ولا يشكل هذا الخطاب تهديدا للنظام، بل يسهل الحياة فى ظله.

اتساع تأثير المساجد– وانتشار نفوذ الإخوان المسلمين فى الأحياء الفقيرة– زاد من قلق الأقلية القبطية، التى زاد تدينها وارتباطها بالكنيسة أيضا، ورغم أن كثيرين منهم فقراء– كثير من جامعى القمامة فى المقطم شرق القاهرة أقباط-

إلا أنهم يعتبرون مميزين من الناحية الاقتصادية، فأغنى عائلة مصرية هى عائلة نجيب ساويرس صاحب شركة أوراسكوم العملاقة ويتمتع بعلاقات قوية بالرئيس مبارك.. الأقباط يعانون من عدة أشكال للتمييز: لا تتم ترقيتهم إلى المناصب العليا والكنائس، على عكس المساجد لا تحصل على دعم أو إعانات من الدولة، والأقباط لا يشعرون بالاطمئنان من خطاب الإخوان المسلمين- الذين أعلن مرشدهم السابق مهدى عاكف أنه يفضل مسلما ماليزيا رئيسا لمصر على أن يحكمها مسيحى مصرى- ويخشون من أن تصبح مصر دولة إسلامية فيضطرون إلى مغادرتها،

أما المتطرفون من أقباط المهجر فقد تحالف بعضهم مع المسيحيين الصهاينة فى الولايات المتحدة، ليثيروا شكوك المسلمين فى أن المسيحيين باتوا حصان طروادة للغرب. مناخ من عدم الثقة أدى إلى إحداث عنف طائفى بشكل متزايد، فى ليلة عيد الميلاد العام الماضى قتل ستة أقباط فى نجع حمادى عقب خروجهم من الكنيسة، انتقاما على ما يبدو من اغتصاب فتاة مسلمة، وأعقبتها أحداث شغب ونهب ضد مسلمين وتدخلت الحكومة بسرعة، وأعلنت أن أعمال العنف لم تكن طائفية وإنما جريمة ثأر بين عائلات، ولم يخدع هذا الادعاء أحدا.

غالبا ما تقارن مصر حاليا بإيران فى الأيام الأخيرة للشاه: طبقة وسطى تقلصت بسبب التضخم، غضب على النظام لتحالفه مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وشعور عميق بالمهانة يجرى التعبير عنه بشكل متزايد من خلال حماس إسلامى، وغضب عام تجاه الطبقة الحاكمة فى دولة تآكلت شرعيتها بالكامل تقريبا.

فى عام ٢٠٠٥ نظمت الحركة المصرية من أجل التغيير- وهى تجمع من اليساريين والناصريين والإسلاميين معروف باسم حركة كفاية- سلسلة من المظاهرات بوسط القاهرة، حيث تجرأ المصريون للمرة الأولى على انتقاد الرئيس مبارك علانية، وطالبوا بتنحيه عن السلطة، منذ ذلك الحين تظاهر مئات الآلاف من المصريين: اليساريون والإسلاميون يطالبون بإنهاء حالة الطوارئ، والقضاة يرفضون التعديلات الدستورية التى حرمتهم من حق الإشراف على الانتخابات، والعمال يضربون من أجل تحسين الأجور ومن أجل نقابات عمالية مستقلة،

وفقراء المزارعين الذين أعاد ناصر توزيع الأراضى عليهم يدافعون عن أنفسهم ضد محاولات كبار ملاك الأراضى استعادة ممتلكاتهم – بدعم من الدولة فى كثير من الأحيان، وأحيانا بمساعدة البلطجية- انتشار هذه الاحتجاجات بشكل لم تشهده مصر منذ مظاهرات الطلبة ضد سياسة الانفتاح الساداتية فى السبعينيات، دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن مصر تمر بلحظة «التغيير»، تلك الكلمة التى تمثل القاسم المشترك فى نوعيات جديدة من الحركات الاجتماعية المصرية.

ومع ذلك لم تتبلور الاحتجاجات فى حركة أوسع ذات أجندة واضحة، ونجح النظام جزئيا فى تحييد المعارضة بإتاحة هامش من الحريات: من خلال السماح بصدور العديد من الصحف المعارضة المستقلة والسماح بالانتقاد العلنى لمبارك، فيقول أحد نشطاء كفاية «ما هو مسموح به لنا هو حرية الصراخ وتنفيس الغضب»، ولكن ما النتيجة؟: معظم المصريين ينأون بأنفسهم عن الاحتجاجات، منذ مظاهرات يناير ١٩٧٧ بسبب رفع سعر العيش البلدى، مازال المصريون صامتين، حتى رغم انخفاض مستويات المعيشة،

المزاج العام للشعب المصرى يرتبط بدرجة أكبر بالتقاليد التاريخية مقارنة بالتفكير العقلانى الواقعى، ٢٥ فى المائة من المصريين يعيشون فى مدن الصفيح، وأكثر من ثلث سكان القاهرة البالغ عددهم ١٩ مليونا يعيشون فى العشوائيات بدون مياه شرب نظيفة أو شبكات صرف صحى، من عينة الناس الذين تراهم فى أماكن مثل سوق الجمعة فى منطقة المدافن، حيث تقيم عشرات الآلاف من الأسر فى الأضرحة..

هنا يأتى الفقراء لشراء المستلزمات المنزلية.. حيث يباع أى شىء وكل شىء: الفضيات القديمة وإطارات السيارات وقطع الكمبيوتر والطيور والقرود والخضروات المغلفة بالغبار والأوساخ والفسيخ الذى تصدر عنه رائحة لا يمكنك أن تنساها.. هؤلاء الناس يفضلون التسول على أن يشاركوا فى المظاهرات.

يشير هانى شكر الله، أحد قيادات الحركة الطلابية اليسارية فى السبعينيات إلى أن «النظام يتبع سياسة متعمدة من القمع الانتقائى على أساس فئوى»، ويوضح ذلك من خلال وصفه لصورة فوتوغرافية من مظاهرة لحركة كفاية بوسط القاهرة «يمكنك أن ترى ثلاث دوائر: الدائرة الأولى للمتظاهرين وهم بضع مئات من الأشخاص، حولهم حلقة من عدة آلاف من ضباط الشرطة، وحولهم دائرة الشعب، الشعب مجرد مارة عابرين أو متفرجين»، المهنيون من أبناء الطبقة الوسطى فى حركة كفاية يمكنهم أن يهتفوا بشعارات مثل «يسقط مبارك» لأنهم يخاطرون فى أسوأ الأحوال بالتعرض للضرب.

وجد النظام الحاكم وسائل ترهيب كثيرة، إحداها وجود أمن الدولة فى الأحياء السكنية وداخل الحرم الجامعى، على مسافة دقائق سيرا على الأقدام من مبنى السفارة الأمريكية –حيث الحواجز الأمنية الدائمة منذ غزو العراق فى ٢٠٠٣- تقع وزارة الداخلية التى لا يمكن إنجاز شىء دون موافقتها: تعيين أساتذة الجامعات والقضاة والصحفيين يتطلب موافقة من ضباط أمن الدولة، وأى شخص يريد إنشاء منظمة غير حكومية أو مدرسة أو محطة تليفزيونية عليه أن يحصل أولا على موافقة الداخلية..

الوزارة لديها جيش من مليونى مخبر: أى مخبر لكل ٤٠ مواطناً، وزارة الداخلية صارت واحدة من أقوى الأذرع فى الدولة، فمنذ انسحاب مصر من الصراع مع إسرائيل تحولت نحو قمع أعدائها فى الداخل وهم اليساريون ونشطاء حقوق الإنسان، وقبلهم الإسلاميون.

دراسة بريطانية ترصد الأوضاع فى مصر: بلد فى قبضة المجهول (٢-٢) النظام والإخوان بينهما تنسيق غير معلن ويلعبان لعبة «القط والفأر» لإخفاء التقاء المصالح بينهما.. الجزء الثانى

أيمن شرف ٨/ ٦/ ٢٠١٠

واحدة من الدراسات المهمة عن الأوضاع فى مصر الآن، كتبها آدم شاتس فى مجلة لندن ريفيو أوف بوكس معلقا ومحللا للأوضاع السياسية فى مصر.. المجلة، كما يوحى اسمها، بريطانية، تصدر منذ ١٩٧٩ كل أسبوعين، وتعد واحدة من أكثر المجلات الثقافية رصانة وانتشارا فى بريطانيا وأوروبا،

وتعنى بنشر المقالات الفكرية والأدبية الرصينة بالإنجليزية بأقلام الكتاب والأكاديميين والصحفيين البارزين، إلى جانب عروض موسعة للكتب الجديدة، ومقالات نقدية قصيرة فى الفن والسينما، وهى تقدم فى كل عدد تنويعة من الموضوعات السياسية والاجتماعية والأدبية والتاريخية.

آدم شاتس كاتب هذه الدراسة هو مدير تحرير فى لندن ريفيو أوف بوكس، ورئيس سابق للقسم الأدبى فى ذى نايشن الأمريكية، وعمل من قبل فى ملحق الكتب بنيويورك تايمز ولينجوا فرانسا وذى نيويوركر الشهرية الأمريكية،

وهو محرر كتاب «رفض الأنبياء: قرن من الكتابات اليهودية المعارضة للصهيونية وإسرائيل» (الصادر عن نايشن بوكس)، وعمل مراسلا لنيويورك ريفيو أوف بوكس من لبنان والجزائر، وساهم فى العديد من المقالات فى السياسة والموسيقى والثقافة فى مطبوعات أخرى. على خلاف المقالات السريعة فى الصحف اليومية التى يميل مراسلها إلى التقاط خيط من معارض أو باحث مصرى ويطوره تبدو مقالة شاتس أكثر شمولية، حيث يتوقف عند مشاهد ووقائع رمزية ذات دلالة مفصلية فى مجمل الصورة التى يضفرها معا.. بالإضافة إلى عمق التحليل تمثل المقالة- ربما- نموذجا للتحقيقات السياسية المثيرة للتأمل.. بعد القراءة!

جماعة الإخوان المسلمين خصم نظام مبارك الرئيسى- وربما أنها أهم أدواته فى ترويج نفسه عند الغرب وتخويف الطبقة الوسطى- تأسست عام ١٩٢٨ لكنها مازالت كبرى حركات المعارضة فى البلاد وأفضلها تنظيما، وقد شهدت الجماعة تحولات استراتيجية عدة على مر السنين لكن رسالتها لم تتغير: العدالة الاجتماعية، والحكم على أساس المبادئ الإسلامية، ومعارضة الإمبريالية ودعم قضية فلسطين، وكان عبدالناصر والسادات متعاطفين مع الجماعة إن لم يكونا عضوين بها فى الأربعينيات.

وفى عام ١٩٧٠ عندما تولى السادات السلطة نبذ الإخوان العنف، والتزموا بهذا الموقف طوال التسعينيات عندما شنت أجهزة الأمن حربا قذرة على الجماعات الإسلامية المتشددة التى استلهمت كتابات سيد قطب، وسعى الإخوان عن طريق الدعوة إلى تحويل مصر تدريجيا نحو القيم الإسلامية، وتوفير الخدمات الطبية والاجتماعية للفقراء.. هذه الخدمات، أصبحت تقريبا دولة داخل الدولة، عن طريق البنوك الإسلامية التى يديرها الإخوان، وعن طريق تبرعات أبناء الطبقة المتوسطة المتدينة وتمويل السعودية ودول خليجية أخرى.

ولم يكن مبارك قريبا أو متعاطفا مع الإخوان على الإطلاق، لكنه وجد طريقة للتعايش معهم -وليس استبعادهم تماما- بسبب تغلغلهم فى المجتمع، وكثيرا ما توصف الجماعة بأنها «محظورة» لكن مسموح بها: «محظورة» لأنها تشكل تهديدا خطيرا للنظام إذا سمح لها بالمشاركة بحرية، و«مسموح بها» لأن وجودها يتيح لمبارك أن يقدم نفسه باعتباره حائط الصد الوحيد فى مصر ضد استيلاء الإسلاميين على السلطة، وفقا لهذا النهج سمح مبارك فى ظل الضغوط الأمريكية لفتح النظام السياسى للإخوان بخوض الانتخابات التشريعية فى ٢٠٠٥.. خوفا من المعارضة الليبرالية وتجنبا لضغوظ إدارة بوش سمح النظام بفوز الإخوان بـ ٨٨ مقعدا فى البرلمان،

ومنذ ذلك الحين خففت الولايات المتحدة من ضغوطها لإرساء الديمقراطية، وتمت «قصقصة» أجنحة الإخوان، فلم يسمح لهم بخوض انتخابات التجديد النصفى لمجلس الشورى فى ٢٠٠٧، ولا انتخابات المحليات فى ٢٠٠٨، واستخدمت الحكومة البلطجية لمهاجمة أنصارهم فى لجان الانتخابات، واعتقل المئات منهم، واستهدفت الاعتقالات بدرجة أكبر المعتدلين منهم ممن يحاولون إصلاح الجماعة من الداخل!

وكانت النتيجة تعزيز موقف المتشددين بقيادة المرشد الجديد محمد بديع الذى كان مسجونا مع سيد قطب فى ١٩٦٥- حيث يعرف بديع ومعاونوه باسم مجموعة ٦٥- فتوحدت قوتهم فى انتخابات الجماعة الداخلية فى يناير الماضى، وخسر الإصلاحى عبدالمنعم أبوالفتوح منصبه فى مجلس شورى الجماعة.. أصحاب هذا التوجه المتشدد فى الإخوان لا يحبذون التحالف مع القوى العلمانية ويرفضون ولاية المرأة أو أن يتولى قبطى رئاسة البلاد، وليست لديهم مشكلة مع نظام مبارك طالما أنها تتيح لهم ممارسة الدعوة.

المحافظون فى حركة الإخوان يرون أن انفتاح الجماعة يجعلها عرضة للتدخلات من جانب الدولة ومغريات الليبرالية العلمانية وبالتالى يرون أن السرية هى الوسيلة الوحيدة لبقاء الجماعة وهو الهدف الرئيسى للجماعة، ويستبعدون السعى للوصول إلى الحكم، وحتى يأتى اليوم الذى تسقط فيه الدولة فى أيديهم يفضلون تجنب المواجهة معها، وتكريس جهودهم لأسلمة المجتمع عن طريق الدعوة،

وربما أن الدولة تشجعهم على ذلك، فهى التى سمحت بدور أكبر لرجال الدين على شاشات التليفزيون وفى مجال التعليم: من الخطأ أن نعتبر الحزب الوطنى الحاكم حزبا علمانيا تتعارض مبادئه جذريا مع مبادئ الإخوان المسلمين، والحقيقة أن هناك ترتيبا غير معلن لتقاسم السلطة بين النظام الحاكم والإخوان المسلمين.. لعبة القط والفأر التى تخفى التقاء المصالح بشكل عميق: كلا الجانبين مستفيد من تصوير الإخوان باعتبارهم البديل الحقيقى الوحيد للنظام.

المثال الأوضح على هذا التواطؤ هو تجربة حزب الوسط الجديد تحت التأسيس بقيادة الإسلامى المعتدل أبو العلا ماضى الذى يتمتع بعلاقات قوية مع اليساريين والناصريين والليبراليين، يميل بشكل عام إلى مدرسة فكرية توفيقية هى الدستورية الإسلامية، وتعنى التوفيق بين الرؤى الليبرالية على أساس سيادة القانون وحقوق الفرد وفق التقاليد الإسلامية، والسبيل الوحيد كما يرى أبوالعلا ماضى هو إنشاء حزب يفصل- رغم قيمه الإسلامية- بين السياسة والدين، ويرحب بالأقباط وبحقوق المرأة، وهو ما نجح فيه حتى الآن رغم محاولات ضباط أمن الدولة ترهيب أعضاء حزبه من الأقباط، لكنه حتى الآن لم يحصل على موافقة لحزبه على خوض الانتخابات.

لكن الحصول على رخصة حزبية لا يشكل ضمانة للشعبية، فالأحزاب المعارضة الرسمية لا تتمتع بشعبية حقيقية، بسبب القيود المفروضة على حرية التجمع من خلال قانون الطوارئ، والأحزاب الحالية كما يرى رفعت السعيد زعيم حزب التجمع اليسارى «مجرد تجمعات فردية تطفو على سطح المجتمع»، وتتمثل مهمته فى خلق وهم الديمقراطية، فعدد المقاعد التى يحصلون عليها لا يعتمد على إرادة الناخبين بقدر ما يعتمد على احتياجات الحزب الوطنى، يقول منير فخرى عبدالنور الأمين العام لحزب الوفد الجديد (ستة مقاعد فى مجلس الشعب) والذى ينتمى لعائلة قبطية بارزة: «تجربتنا الحزبية كارثية..

صحيح أننا نتمتع حاليا بحرية غير محدودة فى الصحافة، لكنها عديمة الفائدة لأننا لا نستطيع إقامة علاقة مباشرة مع الشارع، الإخوان المسلمين لديهم هذه العلاقة المباشرة من خلال المسجد، لكننا لا يسمح لنا حتى بعقد مؤتمرات».. يريد عبدالنور أن ينفتح النظام بدرجة معقولة وتدريجية، لكنه يرفض رفع الحظر عن الإخوان.. يقول «فى بلدنا تتعايش ديانتان، لا يمكن إقامة جمهورية إسلامية فى مصر أبدا. لا يمكن أن نقبل حزبا إسلاميا يقول إن القبطى أو المرأة لا يجوز لهما أن يتوليا منصب رئيس الجمهورية.. وأرفض أن يحكمنى شخص يعتقد أن مسلما من ماليزيا أقرب إليه من مسيحى مصرى.

يشترك فى هذه الريبة كثير من أبناء الطبقة المتوسطة، وهذا هو السبب الرئيسى فى استعدادهم قبول حكم مبارك لفترة طويلة، أما قبول جمال مبارك فأمر آخر: فهو مصرفى سابق لم يكن لديه أى خبرة سياسية عندما تم تعيينه فى أمانة السياسات للحزب الوطنى عام ٢٠٠٠، وهو رمز لما خلقته المباركية بالفعل: تزايد نفوذ التكنوقراط المرتبطين بالشركات متعددة الجنسيات؛ تحرير الاقتصاد فى غياب التحرر السياسى، والمحسوبية،

وفكرة توريث السلطة إهانة للكرامة الوطنية فى مصر: فهى دولة جمهورية منذ أن أطاح عبدالناصر بالملك فاروق، لكن عددا قليلا من الناس يريدون لها أن تصبح «ملكية جمهورية بالحمص» على حد تعبير الكاتب خالد الخميسى.. جمال مبارك الذى يعرفه أصدقاؤه باسم «جيمى» صعد بسرعة بين صفوف حزب أبيه، وتمت ترقيته عام ٢٠٠٢ رئيسا للجنة السياسات، وهو مجلس استشارى للحكومة يتكون من عدة مئات من الأثرياء المرتبطين بالنظام، ومثقفين يعتبرون أنفسهم «إصلاحيين ليبراليين»، وهم يعرفون مجتمعين باسم «حكومة جمال».

ورغم نفى الأب والابن إعداد جمال لرئاسة الجمهورية، فإنه تتم الدعاية له بقوة كوجه مصر الجديد على لوحات ضوئية فى مدينة القاهرة وعلى شاشات التليفزيون.. حتى الآن قام جمال باعتباره مسؤولا رسميا فى الحزب الحاكم بعدة رحلات إلى واشنطن، غطتها بحماس وسائل الإعلام الحكومية، وأشادت به صحيفة نيويورك تايمز باعتباره رجل سياسة ذكياً ووسيماً، لكنه يتغنى بالدعوة للإصلاح وشعارات «الفكر الجديد» فقط من أجل فتح الأسواق وبيع صناعات الدولة، ولا يظهر تفهما لظروف غالبية المصريين الذين يقل دخلهم عن دولارين يوميا، وقد أعلن فى ذروة الأزمة المالية أنه لن يحدث أى تراجع عن سياسة الخصخصة.

وما لم يحصل عليه جمال مبارك حتى الآن هو تأييد المؤسسة العسكرية، على الأقل كما يرى أسامة الغزالى حرب، الذى استقال من أمانة السياسات عام ٢٠٠٦ بعد أن أدرك أنها مجرد أداة تصعيد لنجل الرئيس، وبعدها أسس حزبا يحمل اسما جيدا لكنه غير فعال «الجبهة الديمقراطية»، حزب غير فعال بدرجة جعلته يحصل على ترخيص فور تقديم أوراقه، يقول الغزالى حرب إن «جمال يحظى بدعم نخبة رجال الأعمال.. وهم يتآمرون من بعيد، يحاولون حشد تأييد له بين أعضاء الحزب والجيش،

ولكن إذا توفى والده غدا سيستبعدونه على الفور، صدقنى: حسنى مبارك لن يترك منصبه ساعة واحدة قبل وفاته، نحن لسنا فى الولايات المتحدة. ليس لدينا نواب للرئيس. هنا إما أن تكون فى المنصب أو فى القبر. وبعد خمس أو ست دقائق من وفاته ستنزل الدبابات إلى الشوارع» وهذا الاحتمال لا يزعج الغزالى حرب. «فالجيش هو القوة الوحيدة التى يمكن أن تضمن انتقالا سلميا للسلطة»، فى العام الماضى تجرأ الغزالى حرب على قول ما يفكر به كثير من معارضى جمال: إذا تنحى مبارك أو توفى يجب أن

يتولى الجيش زمام الأمور، بحيث يمكن صياغة دستور جديد، ثم بعد سنتين أو ثلاث يعود الحكم المدنى، ويصرح الغزالى حرب دون تردد بأن من سيقود الحكومة الانتقالية هو عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة، وهو برتبة لواء فى الجيش وعضو فى مجلس الوزراء، وهو ثانى أقوى رجل فى مصر، ولاعب رئيسى فى المفاوضات بين إسرائيل وحماس، وأحد أقوى رجال المخابرات فى الشرق الأوسط، ولد فى ١٩٣٥ فى صعيد مصر،

وينتمى إلى جيل من المصريين الفقراء الذين شهدوا صعودهم الاجتماعى مع قدوم عبدالناصر إلى السلطة، وهو مثل الرئيس مبارك درس فى أكاديمية فرونز العسكرية فى موسكو فى الستينيات، وتلقى دورات تدريبية فى فورت براج فى الثمانينيات بعد أن غيرت مصر تحالفاتها باتجاه الغرب، نشأت علاقة وثيقة بينه وبين مبارك فى منتصف التسعينيات، أثناء مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة، وعندما أطلقت مجموعة من الإسلاميين النار على سيارة مبارك فى أديس أبابا عام ١٩٩٥ كان سليمان بجانبه، ولم يصب مبارك لأن سليمان أصر على أن يصطحب الرئيس معه سيارته المصفحة.

سليمان شخصية متزنة، لكنه لم يقل شيئا أو يفعل شيئا يشير إلى ميله للإصلاح السياسى، وليس من الواضح أنه على استعداد لتولى السلطة بعد مبارك: وتشير بعض المصادر إلى أنه رفض فى أبريل الماضى فكرة تولى الرئاسة، وأن المؤسسة الأمنية تدفع الآن بشخصية أخرى.. أحمد شفيق، قائد سلاح الجو السابق، وزير الطيران المدنى الحالى، لكن الغزالى حرب وعدداً كبيراً من المعارضين يصرون على الأمل فى أن يكون عمر سليمان الرجل الذى ينقذ مصر من توريث السلطة وإرساء أسس الحكم المدنى.

الإعلان فى بداية ديسمبر من العام الماضى عن إمكانية ترشح محمد البرادعى للرئاسة شحذ همة دعاة الإصلاح.. البرادعى قضى معظم حياته المهنية فى الخارج، وفاز بجائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٥، وتبرع بعائدها إلى دور الأيتام، اتخذ مواقف شجاعة بخصوص عمليات التفتيش فى العراق وإيران فى مواجهة إدارة بوش، التى حاولت إجباره على ترك منصبه، مما دعا كثيرين لاحترامه، وبعد عودته لمصر فى فبراير الماضى، انتقد الدولة بعنف، لكنه ليس مثل أوباما فى ٢٠٠٨، فهو لا يرى نفسه منقذاً،

ويصر على «ضرورة أن يشارك الشعب لكى يمكن تغيير النظام الاستبدادى الموجود فى السلطة منذ ٥٠ عاما» ومن السهل أن نفهم لماذا يميل المصريون لاعتباره منقذا: هو شخص قادم من الخارج، وبعيد عن الحلول الوسط والمنتمين إلى الأحزاب السياسية فى مصر، هو شخص يمكن تعليق آمال كبيرة عليه، لكنه لم يقل كثيرا حول ما سيفعله كرئيس للبلاد، مما يجعله «غير سياسى» كما وصفه مراسل صحفى.

ومع ذلك تجول «غير السياسى» فى أنحاء مصر، وأدلى بأحاديث عامة فى تحد لقانون الطوارئ، ورد النظام بإلقاء القبض على ناشر لسيرته الذاتية، وأقنع الكويت بترحيل ١٧ من أنصاره من المصريين، ثم جاءت حملة لاذعة من الصحف الحكومية صورته مخلبا لواشنطن أو طهران «يهبط إلى بلده بالبارشوت»، وحملة أخرى من أحزاب المعارضة الرسمية، لكن سمعة البرادعى الدولية توفر له حماية قوية، وترشحه للرئاسة ويمكن أن تصعب من فرص ترشح جمال مبارك: فمساحة التناقض بين جمال والمدير السابق للوكالة الحائز على جائزة نوبل ستكون محرجة جدا.

لكن نظام مبارك لديه العديد من الوسائل لمنع البرادعى، والتعديلات التى أدخلت على الدستور عام ٢٠٠٧ تسمح للرئيس بحل البرلمان، وتعزيز سلطة الحزب الحاكم، بينما يستحيل تقريبا خوض مرشح مستقل الانتخابات الرئاسية فى ظل الشروط الحالية: وحتى لو حصل البرادعى على تأييد ٢٥٠ من أعضاء البرلمان والمجالس المحلية يستطيع النظام ترهيب الناخبين أو تزوير النتائج، خاصة بعد إلغاء الإشراف القضائى، لذلك رفض البرادعى أن يترشح ما لم يتم تعديل الدستور، ووجود مراقبة دولية للانتخابات، لكن مبارك ليس لديه حافز لقبول ذلك- ما لم تضغط عليه الولايات المتحدة.

قبل خمس أو ست سنوات كان يمكن أن يحدث ذلك، عندما كانت إدارة بوش جادة فى الإصلاح الديمقراطى فى مصر: فقد كانت تنظر لـ«نقص الحريات» كسبب رئيسى لإحباط وغضب رجال مثل محمد عطا وأيمن الظواهرى، وقد دعت كوندوليزا رايس إلى إنهاء قانون الطوارئ فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام ٢٠٠٥.

وبينما واصل بوش وكوندوليزا امتنانهما لخدمات مصر فى الترحيلات السرية غير العادية، أصرا على «أجندة الحريات»: تلقت المنظمات غير الحكومية التى لم توافق عليها السلطات فى القاهرة للمرة الأولى دعما مباشرا من الولايات المتحدة، مما أثار غضب مبارك، لكن الولايات المتحدة تراجعت بعد نجاح الإخوان المسلمين فى الانتخابات التشريعية فى ٢٠٠٥، وكان ذلك مجرد بداية، بعد أن كان واضحا أن «أجندة الحرية» تؤدى إلى نتائج عكسية فى بقية المنطقة، وأن تعزيز الإصلاح فى مصر هو تصرف غير حكيم،

وتذكرت واشنطن أسباب تقديرها الدائم للنظام: تعاونه على المسار الإسرائيلى الفلسطينى والحرب على الإرهاب، وعداؤه لطهران، والتسهيلات الممنوحة للسفن الحربية الأمريكية فى المرور السريع عبر قناة السويس، وتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود فى قاعدة غرب القاهرة فى طريق عودتها من العراق،

وعندما تم تمرير التعديلات الدستورية فى ٢٠٠٧، كانت إدارة بوش قد غيرت مسارها، وتنازلت عن الشروط السياسية التى فرضها الكونجرس على ١٠٠ مليون دولار من المساعدات العسكرية البالغ حجمها ١.٣ مليار دولار من المساعدات العسكرية، على أساس أن السفن الأمريكية العسكرية تحتاج للمرور عبر قناة السويس فى وقت قصير.

أما باراك أوباما فعمل على إعادة بناء الثقة مع الحكومة المصرية، فى خطابه بالقاهرة فى يونيو ٢٠٠٩، حيث قال إن جميع الشعوب تريد «حكومات شفافة.. لا تسرق الناس»، ولم يفعل شيئا غير توجيه انتقاد متواضع لمبارك، بسبب تمديد قانون الطوارئ، وعادت إدارته إلى سياسة ما قبل ٢٠٠٤، واحتجزت أموال المنظمات غير الحكومية التى لم تعطها السلطات المصرية ترخيصاً بالعمل، وأعلن روبرت جيتس أن المساعدات العسكرية ستقدم «دون شروط»،

ولقد نشر ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية مذكرة «تخطيط لحالات الطوارئ» تدعو لمواصلة دعم نظام يصفه بأنه «ساعد على إنشاء نظام إقليمى أتاح للولايات المتحدة ممارسة قوتها دون تكلفة كبيرة».. أقل تكلفة على أى حال مما إذا استولى الإسلاميون على السلطة،

وهو ما قد يشكل تهديدا أكبر بكثير من الثورة الإيرانية -من حيث الحجم والدرجة- لمصالح الولايات المتحدة، ويبدو أن هذه هى الرؤية غير المعلنة لإدارة أوباما أيضا، وهى بالطبع أخبار سيئة بالنسبة للبرادعى وأنصاره: أخبار سيئة للمصريين، الذين يخشون من ألا يعرفوا الديمقراطية أبدا بسبب «الفيتو الأمريكى».

 

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا