محمود كمال يكتب : الأسوار الحديدية

محمود كمال يكتب : الأسوار الحديدية
1٬751

محمود كمال عضو المكتب السياسى للحركه

 

ا يستطيع قارئ التاريخ أن يمنع نفسه من الابتسام حين تقع عيناه على سطور أخذت على نفسها عهدا أن تمارس التكرار للأبد، تقوم الثورات منذ مئات السنين، تنتفض الشعوب، فتواجهها الأنظمة كيفما استطاعت، فتنتصر الثورة، فيأتي نظام جديد، فاما أن ينتصر للثورة فتستقر الأوضاع و اما أن ينتصر للنظام الذي قامت الثورة ضده، فتتجدد الثورة مرة أخرى و هكذا،لا تهدأ الثورات الى أن تحقق ما قامت من أجله من أهداف و مطالب، سيناريو دارج و متكرر لدرجة الابتذال، لو كانت رواية لاتهمنا كاتبها بضيق الأفق و فقر الخيال.

الثورة لا يجب أن تستمر طويلا، قبل انتشار السيديهات و الفلاش ميموري و أسلاك الaux الممدودة للموبايلات السمارت فون و لأجهزة الآيبود، اعتدنا على سماع الأغاني عبر شرائط الكاسيت و كان مشهدا معتادا ذلك الذي يمد فيه السائق يده اليمنى للكاسيت ليلتقط الشريط ثم يقوم بضربه بالدركسيون عدة ضربات تأديبية لا تخلو من العنف ليعيده مرة أخرى للكاسيت ليقوم باختباره، و أحيانا يضطر الى القيام بهذا الفعل أكثر من مرة طالما أن شريط الكاسيت يرفض الاستجابة للتأديب، كان المشهد ليصبح غريبا اذا استمر السائق في ضرب الشريط بالدركسيون بلا توقف و دون أن يضعه في الكاسيت ليختبره، لابد دائما من التأكد من رد فعل الشريط، سواء كان بالايجاب أو بالسلب.

الثورة لا يجب أن تستمر طويلا، الثورة الناجحة لا يجب أن تستمر أصلا، لا تستمر الثورات أو يرفع أصحابها الشعار الشهير “الثورة مستمرة” الا اذا اصطدموا بنظام لم يفهم مطالب الثورة أو فهمها و عمل عبيط، قد يرى البعض في مشهد الثورة مظاهر فوضى و عنف و انهيار اقتصادي و اجتماعي و لهم الحق في رؤياهم، لم نكن نتمنى يوما أن تقوم في مصر ثورة، كنا نتمنى أن يصدر النائب العام المحترم قرارا بضبط و احضار حسني مبارك ليمثل أمام العدالة و يتم عزله بالقانون و محاكمته محاكمة عادلة على كل ما ارتكب من جرائم، و لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، كان سيوفر ذلك علينا الكثير من الدماء و العيون المفقوءة و الرغبات الانتقامية و الخسائر الأخلاقية و الاقتصادية و الشروخ المجتمعية، كنا نتمنى أن تقف الشرطة يوم أن تلقت أوامر بالضرب وقفة تستحق أن نذكرها لها بالخير، و لكن للأسف قضي الأمر و اضطررنا أن نخوض تجربة الثورة بكل ما حملته للبلد من مكاسب و خسائر، لم يكن من الممكن السكوت على الفساد و السرقة و بلطجة العادلي و السياسات الاقتصادية التي تطحن الفقراء طحنا و تحولهم الى مواطنين درجة عاشرة ثم نعود لنتساءل بسذاجة عن سبب انتشار العشوائيات و أطفال الشوارع و تدهور التعليم و الصحة و تفشي الجهل و المخدرات و البرشام و البلطجة و التثبيت على الدائري! لم يكن من الممكن السكوت على التعذيب في مقرات أمن الدولة و انعدام الحريات و دولة الحزب الواحد و الرجل الواحد، و بناء عليه انتفض الشعب في 28 يناير و أصر على ثورته حتى تنحى المخلوع، و لكن الثورات الناجحة لا يجب أن تستمر.

فشلت الثورة في رسم “اطار ما” يعبر عن مطالبها، اطار له حدود، ممنوع على الحكومات أن تخرج عنها، و بعد تخبط دام 3 سنوات و نصف، نحن الآن أمام تعذيب في السجون و الأقسام و انعدام للحرية و تدهور للصحة و التعليم و فساد في الجيش و الشرطة و القضاء و الاعلام، و جاءنا رئيس لم يفهم للأسف ماذا فعلت السياسات الاقتصادية المنحازة لرجال الأعمال بمن سبقوه، المعادلة سهلة للغاية: “قم بتدليل رجال الأعمال و الأغنياء على حساب الفقراء، تجد نفسك خلف الأسوار الحديدية بعد أن اشتعل الموقف بشكل أسرع من قدرتك على فهمه”.

اذا أردت أن تعلم ما مدى خطورة زيادة أسعار البنزين و السولار و الغاز الطبيعي فما عليك سوى أن ترفع عينيك من على الجهاز الذي تقرأ عليه هذا المقال لثوان و أن تنظر حولك نظرة بانورامية من أقصى اليمين لأقصى اليسار، كل ما وقعت عليه عيناك -باستثناء البشر- سيزيد سعره ﻷنه ببساطة وصل هنا بوسيلة مواصلات تستهلك اما بنزين أو سولار أو غاز طبيعي! أما اذا أردت أن تسأل لماذا ارتفع سعر بنزين الغلابة (80) بنسبة 78% بينما لم يرتفع بنزين الأغنياء (95) سوى بنسبة 7% فليس هناك رد على الاطلاق يستطيع انصاف صاحب القرار أو التماس له أي عذر أو تبرير تهوره الغاشم.

يبدو أن الشريط في حاجة الى التأديب مرة أخرى، الدركسيون في انتظار عدة خبطات جديدة، فالمشكلة لازالت قائمة و لم ينفع معها محاولتان لمعالجتها، سنخرجه برفق من الكاسيت و نقوم بمحاولة جديدة لاصلاحه، فلنحاول مرة أخرى و ليستمر قارئ التاريخ في رسم ابتسامته الساخرة.

 

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا