مصر الحضارة والفن ( لحظات القوة والانحدار ) – حمدي عصام

مصر الحضارة والفن ( لحظات القوة والانحدار ) - حمدي عصام
1٬124

استهلال : أولاً : سنشرح هذا الموضوع في ظل ثلاثة محاور رئيسية :

الأول : مصر الحضارة والفن وتطور التاريخ الثقافي والمعماري على مدار العصور والحقب .

والثاني : الإنشاءات المعمارية الحديثة وثقافة العقار .

والثالث : التلوث البصري المنتشر في العصر الحالي .

وبهذه الطريقة التي سنتبعها في السرد مما يعنى أننا سنبدأ بنصف الكوب المملوء إلى أن ننتهي إلى نصف الكوب الفارغ .

المهم أننا بادئ ذي بدء يجب أن نفهمهم بأن العقار لا يتكون فقط من مجرد حديد واسمنت وشوية طوب ولكن يجب أن يكون وراءه فكر راقي وأن الخبير العقاري من أحدى مهماته هو تثقيف الناس عقارياً فيوجد هنا ما أنا بأسميه “ثقافة العقار” .

المهم أننا سنبدأ أولا ببعض التعاريف البسيطة حتى نقترب من الموضوع ويجب أن لا نفهم هنا مصطلح عمارة بمعنى المبني السكنى فقط ولكننا يجب أن نأخذه بمعنى العمارة في الكون أو التعمير في الأرض وهو معنى أوسع واشمل للمصطلح .

كما أننا يجب أن نعرف أن تعريف مصطلح عقار “هو كل ما لا يمكن نقله من مكانه بدون إتلافه” , ويفهم طبعاً ضمنياً من ذلك أن كل ما يمكن نقله بيسمى “منقول” وبمعنى آخر “أن كل ما له عنوان ثابت ,لا يمكن نقله أو تغيير عنوانه بدون أتلافه فهو عقار” و للقاعدة طبعاً بعض الاستثناءات :

الاستثناء الأول : هو هناك شيئين من المنقول بيعاملوا كالعقارات تماماً وهما “الطائرة والسفينة” .

والاستثناء الثاني : أن هناك بعض العقارات المبنية والثابتة الضخمة “أمكن نقلها بالطرق الحديثة حالياً بدون أتلافها” ولكنهم ما زالوا مع ذلك بيعاملوا على أنها عقارات” وسوف تستغرب لما أقول لك بأنه أمكن نقل عقارات مبنية بالطوب وارتفاعها ثلاثة ادوار بدون أتلافها وأمكنهم أيضاً نقل مصانع ضخمة ومنشآت معدنية متعددة الطوابق بدون أتلافها” .

والاستثناء الثالث : أن هناك بعض المنقولات “مثل وسائل الانتقال وبعض أنواع المعدات” بتعامل بطريقه خاصة عند تداول ملكيتها “معامله تقارب كثيراً ما نفعله مع العقارات عند تسجيلها” في بعض الخطوات .

المهم أنني أحببت هنا أن أوضح معنى مصطلح “عمارة أو عقار” حتى حينما أذكرهما فيما بعد في السياق فتعلموا أنى بأقصد به “كل ما على الأرض من ثوابت ولا يمكن نقلها إلا بإتلافها”… من مباني وحدائق وشوارع أو ما نطلق عليه مصطلح آخر وهو ” العقارات والتخطيط المعماري أو اللاند سكيب” .

ثانياً : المهم الآن أن نعد لموضوعنا الأساسي وسننتقل فيه بين محاوره -الثلاثة بتسلسل وبدون وقفات :

وسنبدأ بمصر الحضارة والفن وتطور التاريخ الثقافي والمعماري على مدار العصور والحقب .

فقد اعتبرت دائماً العمارة ومنذ قديم الأزل ذاكرة الأمة ومؤرخ صادق لما مرت به الحضارة على مر عصورها من حقبات ضعف وقوة .

هذا وقد تميزت مصر في العصور القديمة بطرازها المتفرد الذي يشعرك بالشموخ حين تلقاه ويغمرك بالنشوة حين تستمتع بالنظر إلى تفاصيله , ويمكن السبب الأساسي في التفرد “أن المعماري المصري القديم كان بيعتمد أولاً على حسه الفني في الإبداع” .

وهنا يجب أن نعلم إن المعمار هو أحدى صور الإفراز الفني لما ضمر في وجدان المجتمع من ثقافة وأصالة وعلم أو بقولٍ آخر هو أعادة صياغة لما جال في وجدان الفنان من تفاعلات أمتزجت بواقع المجتمع وخرجت في النهاية في عملية طرح متوافق مع بيئة المحيطة فقد اتخذ المعماري أسس علمية راقية وقواعد فنيه رائعة في عملة تفرد فيها فخلق لنفسه الهوية الجمالية الفريدة التي ساعدت على تمييز أعمالهم على مرة العصور المختلفة وانتقالها من “العمارة الفرعونية إلى العمارة القبطية ثم إلى العمارة الإسلامية” في تفرد فانفرد كل طراز منها بسماته وقسماته وملامحه الخارجية والداخلية الملحوظة طبقاً لقواعده الفنية المنفصلة ووفقاً لأسس ومعايير وقواعد فنية أثرت وأضافت كثيراً إلى مجتمعها بحيث أعتبر وقتها العقار ليس فقط حل لمشكلة الإسكان ولا مجرد محل لقضاء المنفعة ولكنه كان بيمثل أيضاً إضافة جيدة للبيئة المحيطة به ومتوافق معها ومندمج في وسطها , فسابقت بلادنا الحضارات المحيطة بها وكان لها السبق فسبقتهم .

ثم توالت العصور على مصر تباعاً بين حقب من القوة والضعف الحضاري الذي ترك بصمات واضحة على العمارة من الرقى حيناً ومن الانحطاط أحياناً أخرى .

إلى أن جاء عصر أسرة محمد على الذي يشار إلية دائماً بأنه أبو مصر الحديثة فظهر حينها طراز مصري حديث يمثل العمارة الخديوية (وهو طراز بيعبر عن تأثرنا بالعمارة الغربية وقتها فيما يسمى “بالنيو باروك”, أو ما نسمية بالعمارة الخديوية ,وكان أكثر أولاد محمد على اهتماما بالعمارة الخديوي إسماعيل هو الأكثر تميزاً في هذا بتوسعة في أنشاء المناطق الحضارية والقصور والتخطيط المعماري المدروس ووضعه للاشتراطات الحديثة للمباني في منطقة وسط القاهرة وبان أي مبنى يبنى وقتها في القاهرة يجب أن لا يقل تكلفته عن 2000 جنية مصري وهو بما يعادل حالياً أكثر من 5 ملايين جنيه فينا يسمى “بالقاهرة الإسماعيلية” أو “القاهرة الخديوية” .

فعصور القوة والضعف بتظهر واضحة دائماً في المعمار وبتترك بصمات واضحة في العمارة والعقارات ومع انتهاء العصر الخديوي وبقيام الثورة المصرية وظهور الاتجاهات الإشتركية في مصر وأنا بأعتبره بداية التدهور لأن عندها ابتدأت الدولة في تغيير أولويتها فأصدرت قوانين الإصلاح الزراعي , ثم نتيجة لما تبع هذا الحدث من زخم شعبي للثورة مما شجعها الدولة على الانتقال في دائرة اهتمامها من الريف إلى الحضر في محاوله لخلق أرضية مماثله من جمهور متعاطف معها في مجتمع المدينة وذلك بالوقوف في صف فقراء المدينة فعملت أول تخفيض للإيجارات في سنه 1962 , وعندما وجدت من يصفق لها أتبعته بتخفيضين ثانيين “مما افقد السوق العقاري توازنه” , فبتدخل الدولة في العلاقة بين المالك والمستأجر أساءت كثيراً وأدت إلى بداية ظهور جذور مشكلة الإسكان في مصر .

فقد أدت تدخلات الدولة المتوالية إلى أحجام الملاك عن البناء وبحدوث النكسة وانصرفت الدولة عن قضيه الإسكان تماماً لأنشغالها بما هو أهم الذي أدى في النهاية إلى نشر بذور أزمة أاقتصادية خانقة أثناء محاولة الدولة أعادة بناء الجيش المصري , وتخليها مضطرة عن الكثير من خطط التنمية وقائمة أولويتها وعلى رأسها مواطن الطبقة الوسطي وعن توفير احتياجاته فأزداد الفقير فقراً وأتبعه مواطن الطبقة الوسطي ومع بداية التدني الاقتصادي والانحطاط الطبقي وبداية اختفاء الطبقة الوسطي .

ومع بداية السبعينات ووجود لجان تحديد الإيجارات المشهورة … التي أضرت كثيراً بالمالك والمستأجر على حداً سواء وأضطر بعدها الملاك أتباع أساليب غير قانونية في بداية حقبة السبعينات مثل “الخلو ومقدم الإيجار وخلافة” .

ثم سلك المالك أساليب غير حضارية في البناء مثل البناء بغير تشطيب خارجي .

وعندما أندسرت الطبقة الوسطي لم يعد تكفى هذه الحلول أتجه المواطن المصري إلى حل مشكلته بنفسه فسكن المقابر وانشأ العشوائيات ( حتى وصل إلى أن هناك أكثر من 1200 عشوائية منتشرة في مصر وأن كل حي راقي في القاهرة بيحيط به على الأقل أربعة عشوائيات ) .

وبأتساع دائرة الفساد أستعت معها تضخمت أيضاً العشوائيات , فالموظف الذي بيرى في القانون (وبالبلدي كدة) “سبوبه للعيش ومصدر رئيسي للدخل” فالقانون الرادع موجود لكنه وجد لكي لا يطبق أو ليلتف حوله أو كمصدر للثراء من ثغراته .

ومع ظهور عصر الانفتاح في منتصف السبعينات “ألحقبه التي حاول فيها طلائع رجال الأعمال الكسب السريع من معانة الناس” والتي أفرزت بالتالي نوع من العمارة في مصر “أنا أسمية عمارة الضرورة” , كما نسيت أيضاً الدولة والمجتمع “التخطيط المعماري تماماً” , فأنحدر الذوق العام في البناء والتخطيط في محاولة للبحث للمشكلة عن حل من أقصر الطرق أحيانا , فأنشأت الدولة عقارات غير مستساغة هي أشبه بالعشوائيات فقد فقدت كل ذوق وتدنى مستواها الفني والجمالي بصورة واضحة وأنحدر مستواها في التصميم والتشطيب على حداً سواء ما أهدار القواعد الجمالية الفنية المعروفة فأنشأت الدولة عقارات هي أشبه بالمعلبات .

ومع بداية حقبة الثمانينات أزداد الغش في مواد البناء والمباني إلى أن أتى زلزال سنه 1992 “بالاختبار” ففتح عندها أعين الناس على “مفارقة غريبة وهى الحقيقة المرة” فقد انهارت عمارات الثمانينات وصمدت شامخة وفى تحدى واضح المباني المقامة في بدايات القرن الماضي !!!

ومع تطور الفكر المعاصر للمجتمع في مصر وانتشار النت حصلت بعض التطورات في مفاهيم واحتياجاته والذوق العام .

ومع ازدياد المستوى المادي أبتدئ المصريين في توسيع مستوى أحتياجتهم فواكبت العمارة الحديثة الحدث فتآلفت مع احتياجاته وتطورت لتتلاءم مع متطلبات المجتمع الطبقي الراقي الحديث فحدثت طفرة مما لا شك أنها أضافت للمجتمع المعماري والعقاري , وقد نجد فيها حالياً عودة للطرز القديمة في محاولة لتجميل الحاضر وتجديده وإظهار بعض التميز في المباني حتى يستطيع المسوق العقاري اجتذاب طائفة من المجتمع بتبحث لنفسها عن التميز بين إقرانها , فابتدءوا في تطعيم المباني بصورة سطحية ببعض العناصر المختلفة المنتقاة من عدة طرز مختلفة قديمة غير ذات صلة حقيقة ببعض وبدون تطبيق الأسس الموضوعية المعروفة والمتعارف عليها في تصميم هذه الطرز وغير ذي منطق سليم فهم عندما ابتدءوا في الاقتباس لم يأتوا بالطرز كاملة كما هي وإنما أتوا بعناصر مختلطة من عدة طرز مختلفة كأضافه أو كرتوشات على تصميمات مباني حديثه فوضعوا أرش يوناني وتحته شباك ألوميتال وبدون أعمده سانده للأرش أو وضع جلسة من نفس النوع تحته فأصبح البناء غير متجانس أو متوافق مع بعض وإذا نظرت إلية لا تعرف له لا طراز ولا جنسية بل أصبح طراز مخنث بلا شكل أو منطق سليم , ولا تعرف أيضاً لما لم ترتاح إليه وأن كانت عين الخبير غالباً ستميزة وستعرف مكمن الخطأ ونحن ذكرنا هنا بعض أخطاء التصميمات على سبيل المثل وليس الحصر .

فكل طراز سابقاً كان له دائماً طابع مميز على مر العصور والحقب المختلفة وقواعد وأصول يلتزم بها طورها الفنان المبدع في فترة زمنية طويلة طبقاً لقواعد جمالية رفيعة أدت إلى ظهور طرز رائعة إلا أن المشكلة الحالية في الإنشاء هي التخبط في البحث عن هوية أو البحث عن طراز يمثل روح العصر الحالي في الإنشاء وإنهاء مشكلة وجود عقارات غير متوافقة مع الطبيعة أو غير متجانسة مع البيئة المحيطة به وكمثال على هذا وجود مبنى زجاجي داخل أو وسط منطقه أثرية فرعونية معروفة ومشهورة عالمياً .

فالتلوث البصري هو كل ما هو نشاز وقبيح في الصورة ويشوه الرؤية وغير متجانس مع بيئته المحيطة به وجارح لما فطر الله عليه الإنسان من حب للجمال المنتشر في الكون والطبيعة فالله جميل يحب الجمال …

مهندس / حمدى عصام

تعليقات

Loading...

قد يعجبك ايضا